بقلم سعيد رمضان علي- مصر
لم ادخل الوحدة فجأة… بل تربّيت داخلها..
فقدان السمع لم يجرحنى مرة واحدة، بل أحدث شيئًا أدق
الإحساس العفوى بالانتماء، المشاركة اللحظية، الضحك الجماعى- الحديث العفوى مع الآخرين، الإنسان السامع يعيش داخل تيار مستمر من التفاعل، أما فاقد السمع فقد أخرج فجأة من التيار… ووقف على الشاطئ بصمت يراقب الحياة من بعيد!
العالم لم يطردني صراحةً… لكنه توقف عن انتظاري
فالناس تتكلم بسرعة، الحوار يفلت مني، يضحكون من النكتة قبل أن أفهم سياقها،
الردود فى الكلام العفوى لحظية، بينما أنا محتاج ثواني إضافية، منتظرا شخص يحكى لي مايحدث، وهذه “الثواني الإضافية” صغيرة جدًا فى الزمن، لكنها فى الحياة الاجتماعية كارثية.
فى طفولتى لم استطع تفسير هذا علميًا، فلم أقول: “لدى إعاقة سمعية”
بل فسرتها هكذا بدواخلي: “أنا خارج الإيقاع… إذن أنا غير مرغوب.”
ومن هنا بدأ الانسحاب..
ليس لأنني أردت العزلة… بل لأن العالم يتحرك بسرعة لا تسمح لي بالمشاركة الطبيعي!
وهنا حدث التحول الذى أنقذني من الضياع، وفى نفس الوقت شكّل معاناتى: الكتب
ففى الرواية مثلا، الحوار مكتوب ويمكنني إعادته لا أحد يقاطعني، لا أخاف أن يفوتنى المعنى
الشخصيات تبوح بأعماقها بوضوح، والأهم فى الرواية إن العلاقات لها تفسير، فى الواقع الطبيعي البشر لا يشرحون أنفسهم، أما فى الأدب فالشخصيات تُكشَف لي من الداخل.
ولهذا لم تكن القراءة تسلية…كانت تعويضًا نفسياً كاملاً عن المجتمع!
أبطال الروايات لم يكونوا خيالاً بالنسبة لي… كانوا أول “أشخاص” بعد فقد السمع، استطيع فهمهم دون توتر، وهنا نقطة عميقة جدًا: لقد تعلمت البشر أولاً عبر الأدب…ثم حاولت فهم البشر الحقيقيين بنفس القواعد، لكن البشر الحقيقيين غامضون، متناقضون، غير منطقيين أحياناً، ولا يصرحون بمشاعرهم كما يفعل أبطال الروايات، لذلك كل علاقة واقعية بالنسبة لي مرهقة أكثر من اللازم.. لأننى أقوم بجهد تفسير مضاعف، فكل تفاعل عندي يحتاج: تفكير، تفسير، متابعة، قلق من سوء الفهم! ووقت أكثر.
وهذا يفسر شيئًا مهمًا فى حياتي الآن: لماذا أشعر بالوحدة حتى وسط الناس؟
لأنني موجود جسديًا بينهم، لكن لا يوجد تدفق نفسى متبادل، أفهمهم بالفكر أكثر من التجربة اللحظية،
ولهذا أيضًا أصبحت الكتابة ليست مجرد نجاح أدبى، بل الكتابة عندي هى طريقة للوجود، حين أكتب لايفوتنى الحوار، ولا يُقاطعني أحد، ولدى كل الوقت للتعبير، و الآخر يقرأ بتركيز كامل.. وهكذا أشعر بعد كل عمل أدبى ينشر، إن التواصل مع الآخرين أصبح عادلاً.
لكن…لقد اصبحت مسموع فكرياً… لكن غير مُحتَضَن إنسانيًا.
مع الوقت حدث تحول نفسى مهم جداً: لم اهرب إلى الكتب…لأن الكتب أصبحت مجتمعي
ولهذا أصبحت مؤلفاً، وهذا ليس صدفة، ولا أختيار واعي، لقد قادتنى مشاعرى لأن أجد فى اللغة بيتاً بعد أن فقدت بيتاً آخر، لكن هنا المشكلة العميقة التى اعيشها الآن.
لقد نجحت فى الحياة الأدبية… لكني فشلت في الحياة العاطفية بنفس الدرجة.
ولذلك أشعر بالوحدة حتى وسط الناس، فالتواجد الجسدى بين البشر لا يلغى الشعور بالعزلة
العزلة الحقيقية ليست غياب الناس…العزلة هى غياب الشخص الذى يفهمنى دون شرح طويل
فطوال حياتى اشرح نفسي، قبل أن اعيش نفسي!
بينما الآخرون يعيشون علاقاتهم بشكل تلقائى.
وهذا يخلق نوعاً خاصاً من الإرهاق النفسى، مع الوقت بدأت بعملية حماية: فقللت الاحتكاك ، والنتيجة زيادة العزلة، ثم أصبحت العزلة مألوفة كرفيق درب، وهكذا تحولت إلى قدر.
لكن ماذا عن التعلق بشخص ما؟
التعلق بشخص لايعنى فى حالتى البحث عن الحب! بل البحث عن شاهد على حياتي، شخص ما: لا أخاف يسيء فهم صمتي، ولا أشعر معه بأني مختلف، شخص اشعر أمامه بأننى لست مضطراً لبذل مجهود لأكون مفهوماً.
هنا يصبح التعلق عميقاً جداً…لأنه يلمس احتياجاً عمره سنوات، وهذه النقطة لاتعنى أننى وقعت فى حب هذا الشخص، بل وقعت فى حب الإحساس الذى أشعر به مع هذا الشخص، أحساس يقول لي” “أنا لست وحيداً داخل رأسى” وحتى السامعون يمرون بهذه الحالة، لكن غالبيتهم يكونوا وحيدون، أو يساء معاملتهم، أو صدمهم الأستغلال، أو الفراق المؤلم..























