بقلم دكتورة أماني شعبان محمد شكر
إهداء إلى كل من كافح ولم ينحنِ، ومن تعثر فاستقام
إلى المرأة العاملة التي تصنع من تعبها حياة، وإلى كل زوجة وأم توازن بين نبض قلبها وطموح عقلها
إلى الذين آمنوا أن الطريق وإن طال، فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً
الهدف من كتابة القصة :
لم أكتب هذه السطور لمجرد سرد الذكريات، بل كتبتُها وفي قلبي يقينٌ راسخ وقاعدةٌ لا تتبدل: ﴿إِنَّ الَّذِيْنَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيْعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾.
إن هدفي من “قصة كفاح” هو أن أؤكد لكل من يقرأها أن الأحلام لا تسقط علينا من السماء، بل تُنتزع انتزاعاً بالكد والعرق والتعب. لقد أردتُ أن أوثق رحلتي من الحقول في قريتي الصغيرة، حيث كنتُ تلك الطفلة التي تبحث عن قيمتها ، وصولاً إلى نيل درجة الدكتوراة والوقوف في المحافل العلمية.
لقد كتبتُ هذا الكتاب لأقول لكل امرأة إن النجاح ليس طريقاً يسلكه المرء وحده، بل هو توازنٌ عظيم بين الطموح والمسؤولية. لقد خضتُ معارك العلم وأنا زوجة وأم، سافرتُ واغتربتُ، وساندتُ زوجي وأولادي وكانوا هم دافعي الأكبر لا عائقي. أردتُ أن أثبت أن يد المرأة التي تهز المهد هي ذاتها اليد التي تستطيع أن تحمل أعلى الشهادات، وأن التعب في سبيل الحلم هو لذة لا يعرفها إلا الصابرون.
هذه القصة هي دعوة للإصرار، ورسالة لكل من يواجه قسوة الحياة: “تعبك اليوم هو فخرك غداً، والله لا يضيع سعياً أحسنت فيه النية والعمل“.
الفصل الأول:
كانت الشمس في قريتنا لا تشرق إلا بعد أن تستأذن من رائحة الخبز الطازج المنبعثة من تنور أمي. في ذلك البيت الريفي الذي تفوح جدرانه الطينية بعبق الأرض، كنا تسعة أرواح، صخبنا يملأ الممرات، وضحكاتنا تتشابك مع ثغاء الأغنام وصياح الديكة عند الفجر.
كنتُ واحدة من هذا الجمع الغفير، مجرد رقم في سلسلة إخوتي الطويلة، أو هكذا كان يبدو الأمر للغرباء. لكن في أعماقي، كان هناك صوت خفي يهمس لي بأنني لست مجرد تكرار، وأن الله الذي صاغ ملامحي بهذه الدقة، يخبئ لي درباً لا يشبه دروب الآخرين، درباً سأعبده بالصبر والدموع قبل الفرح.
لم تكن طفولتي لهواً خالصاً، بل كانت مزيجاً من القداسة والكد. أتذكر يديّ الصغيرتين اللتين كانتا تبدوان أضعف من أن تقبضا على فأس أو تحملا مِنجلاً، لكنني كنت أصرُّ على مرافقة أبي وأمي إلى الحقول. كنت أمشي خلفهما، أراقب وقع أقدامهما على الأرض المتشققة، وأشعر بأنني جندية صغيرة في معركة البقاء.
كان الجميع ينظر إليّ بعين الدهشة؛ فتاة صغيرة رقيقة فكيف لهذه الرقة أن تتسخ بطين الأرض؟ كنت أجمع عيدان القش المتناثرة، وأركض ذهاباً وإياباً لأملأ الأواني بالماء، ولم يكن يسعدني شيء قدر تلك النظرة في عين أمي؛ نظرة الرضا التي كانت تقول لي دون كلام: “أنتِ سندي رغم صغرك”. كنت أرفض أن أكون مجرد “وجه جميل” يوضع على الرف، كنت أريد أن تكون لي قيمة تُقاس بحجم ما أقدمه من حب ومساعدة.
في بيتنا، كان الصباح يبدأ “بالنور”. لم يكن نور الشمس هو المقصود، بل صوت أبي. كان أبي موظفاً في الأوقاف المصرية، لكنه في البيت كان إماماً لقلوبنا. لا زلت أغمض عينيّ الآن فأسمع صوته العذب وهو يتلو القرآن بعد صلاة الفجر. كان صوته ينساب كالنهر الجاري، يغسل همومنا الصغيرة ويمنح البيت سكينة عجيبة. في تلك اللحظات، كنت أشعر أن الإيمان ليس مجرد كلمات تُحفظ، بل هو أمان يحيط بنا، وأن هذا الصوت سيكون بوصلتي كلما ضللت الطريق في مستقبلي.
أما أمي، فكانت هي “وتد” الخيمة. كانت امرأة صبورة صمتها عبادة، وعملها جهاد. كانت تدير شؤوننا التسعة ببراعة مذهلة، تحرص على أن نكون الأنظف والأجمل بين أطفال القرية. كانت تشتري لنا الثياب بعناية، وتساعدها أختي الكبيرة في غسلها وكيّها، لتجعل منا لوحة فنية تعكس عزة النفس. كنت أجلس في زاوية الغرفة أراقب حركاتها الدؤوبة، وأتعلم منها كيف يكون الحب “فعلاً” لا “قولاً”، وكيف يمكن للمرأة أن تكون رقيقة كالوردة وصلبة كالجبل في آن واحد.
لم يكن التعليم في قريتنا مجرد فصول دراسية، بل كان “الكُتّاب” هو الميدان الأول الذي اختبرتُ فيه هيبة الحرف وعظمة الكلمة. كنتُ أسير في طرقات القرية المتربة، أحمل لوحي الخشبي الصغير كأنه درع محارب، وأدخل إلى تلك الغرفة الواسعة المفروشة بالحصير، حيث تفوح رائحة الحبر والورق العتيق.
هناك، كان يجلس “الشيخ” بصوته الجهوري الذي يقطع همسات الأطفال. كان صديقاً لوالدي، رجلاً يجمع بين الصرامة واللين بطريقة غريبة. كان يحمل في يده “القفاشة” (عصا الخيزران)، التي كان مجرد وقع صوتها على الأرض يكفي ليرتعش قلبي الصغير. كنت أراقب الأطفال الذين لم يتموا حفظهم وهم يبكون، ليس من الألم فحسب، بل من خجل الإخفاق أمام الجميع.
أما أخي الكبير، فكان “نجم” هذا المكان. كان يرتل القرآن بصوت يشبه صوت أبي، ويحصد المكافآت من الشيخ ومن والدي. أتذكر جيداً تلك اللحظة التي فاز فيها بمسابقة كبرى؛ لم يشترِ لنفسه شيئاً، بل عاد وفي يده “حلقان ذهبية” لي ولأخواتي. حين وضع الحلق في أذني، وتحسستُ برودته ولمعانه بيديّ ، شعرتُ لأول مرة بأن المكافأة الحقيقية تأتي بعد التعب، وأن النجاح طعمه أحلى من السكر. كنتُ أنظر في مرآتي الصغيرة، أرى شعري الأصفر يحيط بالحلق الذهبي، وأقطع عهداً على نفسي: “سأكون متفوقة مثله، ولن تلمس تلك العصا يدي أبداً”.
وفي زاوية أخرى من حياتي، كان هناك نوعٌ آخر من التعليم.. تعليم “الرحمة”. جدتي لأبي، تلك السيدة الكفيفة التي كانت تعيش في عالم من الظلام الجسدي، لكن قلبها كان يفيض بنور لا يملكه المبصرون.
كنتُ أعتبر نفسي “عينها” التي ترى بها الدنيا. كنتُ أقودها من يدها العروقية الناعمة، أساعدها في الوضوء، وأقف أمامها بالساعات وأنا أصفف شعرها الأبيض الفضي بتمشيط هادئ، بينما هي تغمرني بدعوات تفتح أبواب السماء. كنت أشتري لها دواءها، وحين كانت تضع في يدي قروشاً قليلة كمكافأة، كنت أشعر بكنوز الدنيا بين أصابعي.
كنت أجلس بجوارها أراقب حركاتها وهي تسبح، كان لسانها لا يفتر عن ذكر الله، وكنت أحفظ تسبيحها الطويل عن ظهر قلب. في تلك اللحظات، تعلمتُ أن القوة ليست في البصر، بل في البصيرة، وأن الضعف الجسدي قد يخفي خلفه روحاً بطلة. لم أكن أعلم حينها أن هذه “الرحمة” التي أتعلمها مع جدتي، ستكون هي الوقود الذي سيحرق قلبي وجعاً في المشهد الذي غيّر كل شيء.
في ذلك اليوم، كانت الشمس حارقة بشكل غير معتاد، وكأنها كانت تشحن الأجواء بتوتر مكتوم. خرجتُ مع أطفال القرية للعب، وكنت أشعر بنشاط غريب. لم أكن أعلم أن جملة واحدة عابرة ستلقى في وجهي، ستجعلني أحاول حمل جبل فوق كتفيّ الصغيرين..
كان ذلك العصر يحمل طابعاً خاصاً، هواء القرية الساخن يداعب وجوهنا ونحن نركض في تلك المساحة الفاصلة بين الحقول والبيوت. كنا مجموعة من البنات، نمارس ألعابنا الفطرية التي كانت تنقلب أحياناً إلى مباريات لإثبات القوة والتحمل.
فجأة، بدأت الفتيات في التباهي بقدرتهن على حمل إخوتهن الصغار. كانت كل واحدة منهن ترفع أخاها على ظهرها أو كتفها وتدور به بخيلاء، وكأنهن فارسات يمتطين صهوة التحدي. كنتُ أقف هناك، بجسدي النحيل، وملامحي التي كانت دائماً توحي للآخرين بالرقة والضعف. وقعت عينا إحدى البنات عليّ، وبابتسامة تحمل مزيجاً من السخرية والتحدي، قالت كلمات وقعت على قلبي كوقع السياط: – “نحن نستطيع حمل إخوتنا وتجاوز الطريق بهم، أما أنتِ.. فجسدكِ لا يقوى إلا على حمل شعركِ ثم ضحكت هههههه!”
ضحكت البنات، لكن ضحكاتهن كانت تشعل في صدري ناراً لم أعهدها. لم يكن الأمر مجرد لعبة، بل كان هجوماً على كبريائي الذي استمددته من كدح أمي وصبر أبي. نظرتُ إلى أخي الصغير الذي كان يلهو بجانبي، كان جسده ممتلئاً بالنسبة ليديّ الرقيقتين، لكنني قررت في تلك اللحظة أنني سأحمله ولو كلفني ذلك تحطم عظامي.
قلتُ له بصوت حاول أن يبدو واثقاً: “تعالَ يا أخي.. اصعد فوق رقبتي.”
بمساعدة الفتيات، استقر ثقله فوق كاهلي. في اللحظة التي تركوه فيها ليصبح حمله مسؤوليتي وحدي، شعرتُ بالأرض تهتز تحت قدمي. كان وزنه يفوق قدرتي بمراحل، وشعرت بفقرات رقبتي تئن تحت هذا العبء. بدأتُ أخطو خطوات متعثرة، والدموع تحترق في عينيّ، ليس من الألم، بل من الإصرار على ألا أهزم أمام نظراتهن المترقبة.
كانت الدنيا تدور من حولي، العرق يتصبب على جبيني، وأنفاسي تتلاحق كأنني أركض في سباق للموت. وفجأة، شعرتُ بتوازني يختل تماماً. صرختُ صرخةً مكتومة، صرخةً استنجدتُ فيها بالوحيدة التي كنتُ أظنها تستطيع إيقاف الجاذبية: – “يا أمي.. الحقيني!”
لكن صرختي لم تكتمل؛ فقد خانتني قواي وسقطتُ. لم تكن سقطة عادية، بل كانت ارتطاماً مروعاً. سقط أخي من فوق رقبتي ليصطدم رأسه بالأرض الصلبة. في تلك اللحظة، توقف الزمان. رأيتُ الدم ينزف من رأسه الصغير، فغابت الدنيا عن عيني. لم أعد أسمع سخرية البنات، بل سمعتُ فقط دقات قلبي المرتجفة.
بكيتُ بكاءً هستيرياً، بكاءً لم يكن من الخوف من العقاب، بل من الرعب على تلك الروح التي كدتُ أن أزهقها من أجل لحظة تحدي، ركضتُ بعيداً، اختبأتُ في ركن مظلم، أضم نفسي وأرتجف، أنتظر اللحظة التي سيهجم فيها الجميع عليّ ليلوموني على ما فعلت. ركضتُ بعيداً، هربتُ من نظرات الناس ومن ذنبي الذي شعرتُ أنه لا يُغتفر، وقلبي يتمزق ندمًا ورعبًا. كنت أتصور أن الأرض ستنشق وتبلعني، أو أن صوت أبي سيعلو هذه المرة بالتوبيخ الذي أستحقه.
لكن ما حدث كان أغرب من الخيال، وأعمق من أي درس تعلمته في حياتي..
عرفتُ أنهم ذهبوا بأخي مسرعين إلى المستشفى. كنت أتخيل الأسوأ، وأبكي بكاءً هستيرياً يمزق صدري الصغير. لكن فجأة، بدأت أصواتهم تقترب من مخبئي.. لم تكن أصواتاً غاضبة، بل كانت نداءات ملهوفة باسمي، نداءات تحمل من الحنان ما جعلني أرتجف أكثر. وحين عثروا عليّ، لم تمتد يدٌ لتضربني، ولم يرتفع صوتٌ ليلومني.
احتضنتني أمي بقوة، وكأنها تلملم شتات قلبي الذي انكسر. همست في أذني بكلمات نزلت على روحي كبردٍ وسلام: «اطمئني يا صغيرتي، أخوكِ بخير.. جرحٌ بسيطٌ في الرأس خيطه الأطباء وعاد إلينا ضاحكا». في تلك اللحظة، شعرتُ بروحٍ جديدة تُردّ إليّ. لم يكتفوا بذلك، بل أحضروا لي “شربات السكر”، وأجبروني على شربه لتهدئة روعي، وكأنني أنا المصابة لا أخي.
بعد أن اطمأن قلبي، وهدأت عاصفة البكاء، بدأوا في نصحي بأسلوبٍ لم أشعر معه بالمهانة يوماً. علموني في ذلك اليوم درساً عظيماً في التربية، درساً أحمله اليوم للعالم أجمع: أن الحب يجب أن يسبق اللوم، وأن الاحتواء هو المفتاح الوحيد للنصيحة. لقد فهمتُ حينها أنهم لم يريدوا كسر إرادتي التي دفعتني للتحدي، بل أرادوا توجيهها. علمتني تلك الحادثة أن البيت الحقيقي ليس جدراناً، بل هو الحضن الذي يتسع لك وأنت في قمة خطئك، ليعيدك إلى الصواب بالحب لا بالخوف.
لكن “شربات” الطمأنينة الذي ارتشفته في حضن أمي ذلك اليوم، لم يكن ليدوم طعمه الحلو طويلًا في حلقي؛ فقد كانت تلك آخر لحظات البراءة المطلقة التي لا يشوبها خوف. خلف جدران بيتنا الدافئ، كان هناك عالمٌ آخر ينتظرني، عالمٌ لا يعترف بدموع الصغار ولا يداوي العثرات بالقبلات.
قد قررتُ في تلك الليلة أن الندبة التي في رأس أخي ستكون تذكرةً دائمة لي: أن الإرادة لا تُبنى إلا فوق الأنقاض، وأن كفاحي الحقيقي قد بدأ للتو. لم أكن أعلم أن المعركة القادمة لن تكون مع أطفال القرية ، بل مع وجوهٍ عابسة وسياطٍ من نوع آخر؛ معلمةٍ ستختبر صبري بضرباتها، ومقاعد خشبية باردة سأكتب عليها أولى حروف إصراري.
حقيبتي المدرسية التي رتبتها بعناية لم تكن تحمل دفاتر وأقلاماً فحسب، بل كانت تحمل روحاً أقسمت ألا تنكسر مهما بلغت قسوة الدروس. فكيف واجهتُ أول ضربة معلمة حاولت إخماد بريقي؟ وكيف تحول الألم في أول يوم دراسي إلى وقودٍ لقصة كفاحٍ لا تعرف المستحيل؟
هذا ما سأكشفه لكم في الفصل الثاني.. حيث يبدأ القلم في كتابة حكاية الصمود.“
























