بقلم محمد محمد مصطفى الشنابله
حين يُصغي القلب لنداء الإنسان، ويُبتغى رضا الله في العمل، يصبح العطاء نوراً، وتغدو الرحمة أثراً باقياً.
في تسعينيات القرن العشرين، واجهت مسيرة العطاء والعمل في دولة الإمارات العربية المتحدة، إحدى أعمق التحديات الإنسانية ألا وهي دمج الأشخاص ذوي الإعاقة في المجتمع، لا بوصف هذا الدمج واجباً اجتماعياً فحسب، بل كقيمة إنسانية راسخة، وشراكة وطنية أصيلة، ورسالة حضارية تعكس وعي القيادة ورؤية الدولة.
كانت تلك الخطوة الجريئة حلماً راود الأشخاص من ذوي الإعاقة، وسكن قلوب ذويهم وأسرهم، دعاءً صامتاً بأن يأتي يوم يُنظر فيه إلى القدرات قبل الإعاقات، وإلى الإنسان بما يملكه من طاقة وعطاء لا بما يحدّه من ظروف. فجاءت الاستجابة، وتحول الحلم إلى واقع، والرجاء إلى إنجاز.
واليوم، وتحديداً اليوم، نقف بفخر واعتزاز أمام نتائج مشرّفة تجسد ثمار تلك المسيرة المباركة؛ فنرى أشخاصاً من ذوي الإعاقة يحملون أرفع الشهادات العلمية، ويعملون في مختلف المهن والتخصصات، ويقودون أسرهم بعزيمة واعتماد على النفس، كما نراهم أبطالًا في “المونديالات” والبطولات الدولية، رافعين اسم الإمارات عالياً في المحافل الرياضية، ومتحدثين رسميين في المؤتمرات والمنتديات العالمية، ينشرون قصص الإلهام، ويصنعون الوعي.
وقد بدأت هذه المبادرات الرائدة من إمارة الشارقة، لتتسع آفاقها وتصل إلى مختلف إمارات الدولة، ثم تعبر الحدود إلى العديد من دول العالم، تحمل رسالة واضحة مفادها أن الاستثمار الحقيقي هو في الإنسان، وأن الإيمان بالقدرات يصنع المعجزات، وأن الدمج الحقيقي هو أساس التنمية المستدامة.
ولم تكن هذه الإنجازات وليدة الصدفة، بل جاءت بتوفيق من الله سبحانه وتعالى أولًا، ثم بجهود مخلصة لقيادات وشخصيات وطنية أدركت أن العطاء عبادة، وأن تمكين الإنسان مسؤولية، فمدّوا الأيادي البيضاء دون تردد، وأسّسوا لنهج مستدام يواكب التطور التكنولوجي والاقتصادي، ويضمن للأشخاص ذوي الإعاقة مكانتهم الطبيعية في قلب المجتمع ومؤسساته.
اليوم، نراهم حاضرين بقوة في شتى مجالات الحياة؛ في التعليم، والعمل، والرياضة، والإعلام، والابتكار، متواجدين في جميع المحافل، يحظون بالتقدير والدعم من القيادة الرشيدة، ومن مختلف فعاليات المجتمع، ليكونوا شركاء حقيقيين في مسيرة التنمية وبناء المستقبل.
ولا يمكن الحديث عن هذا المشهد المشرق دون الوقوف إجلالاً وعرفاناً للدور الإنساني العظيم الذي جسدته سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك – أم الإمارات، التي جعلت من تمكين الإنسان نهجاً ثابتاً، ومن الرحمة قوة، ومن العمل الإنساني رسالة تتجاوز الحدود.
كما يبرز الدور الريادي لـ سمو الشيخة جواهر بنت محمد القاسمي، التي آمنت منذ البداية بأن الإنسان هو جوهر التنمية، فكانت داعمة وملهمة، وحاضنة للمبادرات التي أعادت تعريف الدمج المجتمعي بمعناه الحقيقي.
وتواصل سعادة الشيخة جميلة بنت محمد القاسمي هذه المسيرة المباركة بكل فخر واقتدار، حيث تقود المبادرات بروح المسؤولية والإيمان، فهي من بادرت، ومنحت هذا النهج زخماً استثنائياً من العطاء والتميّز بلا حدود، مؤكدةً أن العمل الإنساني ليس مرحلة عابرة، بل عهد متجدد ورسالة مستمرة.
إنها مسيرة كُتبت بصدق النية، وسُقيت بالدعاء، وتباركت بالإخلاص، فأثمرت قصص نجاحٍ تضيء دروب الأمل، وتؤكد أن الأوطان العظيمة تُقاس بقدرتها على احتضان جميع أبنائها، وأن الرحمة حين تُترجم إلى عمل، تبني وطناً لا يعرف المستحيل.
ليست مسيرة الأوطان مجرد تواريخ تُسجَّل، ولا إنجازات تُحصى، بل هي قبل ذلك حكايات إنسان تتشكل في ظل قيم العطاء والرحمة والإيمان بقدرته على تجاوز التحديات. ومن هذا المعنى الإنساني العميق وُلدت تجربة مجلة المنال لتكون مرآة لوجه مضيء من وجوه النهضة في دولة الإمارات العربية المتحدة؛ نهضة جعلت الإنسان محور اهتمامها وغاية رسالتها.
ومنذ البدايات الأولى، حملت هذه المسيرة روحاً استمدت جذورها من النهج الإنساني الذي أرساه الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله، حين جعل من كرامة الإنسان وتمكينه قيمة أصيلة في بناء الوطن ومسيرته الحضارية
حين نقلّب صفحات المنال، لا نقرأ كلماتٍ عابرة، بل نستحضر رحلة إنسانية امتدت عبر الزمن، صنعتها إرادة الإنسان واحتضنها وطن آمن بأن الأمل ليس فكرة عابرة، بل قوة قادرة على تغيير الحياة.
لقد كانت المجلة، منذ انطلاقتها، أكثر من منبر ثقافي أو إصدار دوري؛ كانت مساحة تُروى فيها قصص الصبر والعزيمة، وتُستعاد من خلالها معاني الكرامة الإنسانية التي لا تحدها ظروف ولا تعيقها تحديات.
واليوم، ومع دخول المجلة عقدها الرابع في مايو 2026، تقف المنال شاهدة على رحلة طويلة من العطاء؛ رحلة اجتمع فيها نبض الإنسان مع رؤية الوطن، فكانت النتيجة مسيرة ملهمة تُجسد كيف يمكن للإيمان بالإنسان أن يصنع واقعاً أكثر إشراقاً.
عبر سنواتها الطويلة، لم تكتفِ المنال بنقل الأخبار أو توثيق الأحداث، بل حملت رسالة أعمق من ذلك؛ رسالة تؤكد أن لكل إنسان طاقة كامنة تستحق أن تُكتشف، وأن المجتمع حين يفتح أبوابه للجميع يصبح أكثر إنسانية وأكثر قوة.
ومن خلال صفحاتها، ظهرت قصص كثيرة لأشخاص واجهوا التحديات بشجاعة، وحولوا ما ظنه البعض عائقاً إلى دافع للنجاح والإنجاز. كانت تلك القصص بمثابة رسائل صامتة تقول إن القدرة الحقيقية لا تقاس بالظروف، بل بالإرادة التي تسكن قلب الإنسان.
وفي الوقت ذاته، عكست المجلة صورة وطن اختار أن يكون داعماً وممكناً، لا متفرجاً. وطن آمن بأن التنمية الحقيقية لا تكتمل إلا حين يجد كل فرد مكانه في مسيرة البناء والعطاء. وهكذا تحولت المنال إلى جسر إنساني يربط بين التجربة الفردية والوعي المجتمعي، فأسهمت في ترسيخ ثقافة التمكين والاندماج، وأصبحت جزءاً من ذاكرة إنسانية جميلة في مسيرة الوطن.
إن دخول مجلة المنال عقدها الرابع ليس مجرد رقم يُضاف إلى سجل السنوات، بل هو شاهد حي على استمرارية رسالة إنسانية نبيلة. رسالة تؤكد أن الأمل حين يجد من يؤمن به، يتحول إلى واقع، وأن الإنسان حين يجد وطناً يحتضنه، يصبح قادراً على تجاوز كل التحديات.
وهكذا تستمر الحكاية… حكاية إنسان لم يفقد ثقته بقدراته، ووطن لم يتردد في احتضان أحلام أبنائه. وبين الاثنين يولد الأمل من جديد، ليبقى الطريق مفتوحاً نحو مستقبل أكثر إشراقاً وإنسانية.























