إعداد: اختصاصي السمعيات: مروة عبد الفتاح ماضي ، مسؤول مركز مدينة الشارقة للسمعيات في مدينة الشارقة للخدمات الإنسانية
منذ عقود طويلة، كان فقدان السمع الشديد جداً، أو العميق بمصطلحٍ آخر، يعني العزلة عن أصوات العالم الخارجي، وصعوبة التواصل حتى مع أقرب الناس. وكانت المعينات السمعية التقليدية تساعد بعض الأشخاص من ذوي فقدان السمع بدرجاته البسيطة إلى الشديدة، لكنها لا تكفي عندما يكون العصب السمعي هو الجزء المتضرر أو غير القادر على أداء وظيفته، إن صح التعبير! لذلك، كان لا بد من إيجاد حلٍّ تقني يسهم في مساعدة هذه الفئة من أبناء المجتمع.
هنا جاءت زراعة القوقعة كاختراع ثوري سيغير حياة مئات الآلاف من الأطفال والبالغين حول العالم.
يتمّ الاحتفال باليوم العالمي لزراعة القوقعة في 25 فبراير من كل عام و يقدم هذا المقال رحلة قصيرة عبر تاريخ تطور تكنولوجيا زراعة القوقعة، وكيف تطورت من فكرة بسيطة الى أجهزة ذكية تتواصل مع الذكاء الاصطناعي.
كانت البدايات الأولى بفكرة جريئة انطلقت عام 1800 م، حين جرب العالم أليساندرو فولتا تمرير تيار كهربائي عبر الأذن ولاحظ إحساساً بالصوت، كانت تجربة بدائية لكنها زرعت البذرة الأولى لفكرة “الأذن الإلكترونية”.
بعد أكثر من قرن ونصف وتحديداً في العام 1957، نجح الباحثان الفرنسيان أندريه دجورنو وتشارلز إيريس في أول تجربة طبية لاستخدام التحفيز الكهربائي المباشر للعصب السمعي. وفي العام 1961، قام الطبيب الأمريكي ويليام هاوس بزرع أول جهاز قوقعة أحادي القناة، كان الأداء محدوداً ـ لكنه فتح الباب لثورة علمية جديدة.
في السبعينيات، بدأت المحاولات لتطوير أجهزة أكثر فعالية. انطلقت من استراليا، حيث قاد البروفيسور غرايم كلارك فريقه لتطوير أول غرسة متعددة القنوات عام 1987. انتقلت الى النمسا، حيث أسس إرنست وإنغيبورغ نواة شركة MED-EL عبر تطوير تصميمات مشابهة.
هذا الانتقال من قناة واحدة الى قنوات متعددة كان بمثابة نقلة نوعية، إذ أصبح بالإمكان فهم الكلام بوضوح أكبر والتفاعل مع الأصوات اليومية.
عام 1985 حصلت زراعة القوقعة على اعتماد رسمي للاستخدام عند البالغين في الولايات المتحدة، ثم للأطفال في العام 1990، هذا الاعتماد لم يكن مجرد قرار طبي، بل نقطة تحول اجتماعية وتعليمية، لأنه فتح المجال أمام الأطفال الصغار لاكتساب مهارات اللغة والتواصل منذ سنواتهم الأولى.
منذ تسعينيات القرن الماضي وحتى يومنا هذا تطورت أجهزة القوقعة بشكل مذهل ومتسارع ، حيث أصبحت المعالجات رقمية مما سمح بتحسين جودة الصوت والتمييز بين الكلام والضوضاء بشكل أفضل ، تقليص الحجم الخاص بالمحلل الكلامي حيث تحول من جهاز كبير الى جهاز صغير خلف الأذن أو حتى قطعة مدمجة واحدة على الرأس ، بالإضافة الى مقاومة الماء ليتمكن الأطفال من السباحة واللعب دون الخوف من تلف الجهاز ، تقنيات الاتصال اللاسلكي والبلوتوث التي تتيح للمستخدم وصل الجهاز بشكل مباشر مع الهاتف الذكي للاستماع بشكل مباشر للمكالمات والبث الصوتي بالإضافة إلى إجراء برمجة فردية تتيح التكيف مع احتياجات المستخدم اليومية ، هذه التطورات جعلت القوقعة ليست مجرد أداة طبية ، بل وسيلة للاندماج الكامل في الحياة اليومية.
ماذا بعد؟ يتجه اليوم البحث نحو أجهزة مزروعة بالكامل تحت الجلد، بحيث يختفي أي جزء خارجي ويدمج المايكروفون والبطارية والمعالج في وحدة واحدة. هذه الفكرة تعد بحلول أكثر راحة وأمناً للمستخدمين، كما أن استخدام الذكاء الاصطناعي أصبح واقعاً في برمجة القوقعة ـ حيث تساعد الخوارزميات على فصل الأصوات المهمة عن الضوضاء في بيئات صاخبة، ممّا يجعل التجربة السمعية أقرب إلى السمع الطبيعي.
زراعة القوقعة ليست عملية جراحية فحسب، بل هي رحلة متكاملة تبدأ من التقييم والتشخيص، مروراً بالجراحة، ثم بمرحلة التأهيل السمعي واللغوي. هنا يأتي دور الأسرة والمدرسة والمجتمع في دعم الطفل ومساندته.
الكثير من الأطفال الذين تمت زراعة القوقعة لهم في سن مبكرة أصبحوا اليوم طلاباً متفوقين وأفراداً فاعلين في المجتمع، مما يثبت أن التكنولوجيا عندما تقترن بالرعاية الأسرية والتأهيل المناسب، تصنع فرقاً حقيقياً.
وختاماً فإن نجاح زراعة القوقعة لا يعتمد فقط على العملية الجراحية بل على المتابعة والتأهيل المستمر، التدريب على الاستماع وجلسات تأهيل النطق والدعم النفسي كلها عناصر أساسية لرحلة ناجحة.
المراجع
- Mayo Clinic. Cochlear implants: About.
- MED-EL. Our History.
- Advanced Bionics. History and Future of Cochlear Implants.
- NIH/PMC. History of Cochlear Implants.























