اللغة عند الطفل قبل تعلمها تسمى (لغة الأم) إذ أن الطفل عندما يسمع أمه تتكلم يحاول في البداية التقليد فتبدأ اللغة في صورة أصوات عشوائية تعرف بالمناغاة وعندئذ تطرب الأم من حيث أن صغيرها بدأ صوته يظهر وأنه سيكون بإذن الله طلق اللسان فيما بعد والسؤال هو، كيف يكون النمو اللغوي في هذه المرحلة.
السلوك اللغوي في مرحلة المهد والرضاعة؟
قد تعني اللغة نطق الكلمات واستخدامها في المواقف الخاصة بالاتصال بالآخرين ويكون هذا صحيحاً عند الرضيع، ومعنى كلمة رضيع باللغة اللاتينية (بدون لغة)، وقد تعني اللغة أية وسيلة يلجأ إليها الفرد لجذب انتباه من حوله أو الاتصال بهم أو التعبير عما يحس به الرضيع فيمتلك القدرة الفطرية على استخدام اللغة في أبسط صورها ممثلة في الصراخ والبكاء وما يصاحبهما من حركات عشوائية حيث أوضحت التجارب الحديثة التي أجريت على الأطفال حديثي الولادة بأنهم قادرون على الانتباه للأصوات شرطاً أساسياً لتعلم اللغة، كما ثبت أن الطفل في عمر شهرين يميز بين صوتي (الفاء والباء) مما يجعله يفترض وجود قدرة فطرية لدى الطفل على التمييز بين الأصوات وهذه القدرة شرط ثان لتعلم اللغة.
ومن ناحية مقارنة لغة الأطفال بلغة الكبار، فإن لغة الأطفال ليست مجرد صورة غير دقيقة للغة الكبار، إنما هي مستقلة ولها قواعدها الخاصة بها، وهي مستقلة عن الثقافة، وفطرية بشكل عام، وكي نفهم السلوك اللغوي في مرحلة المهد والرضاعة نورد فيما يلي ما يتصل بهذا السلوك من خلال عرض خصائص اللغة عند الإنسان والاستعدادات الجسمية لاكتساب اللغة عند الرضيع ومراحل النمو اللغوي (مرحلة التصويت، مرحلة الكلام).
خصائص اللغة عند الإنسان
إن لغة الإنسان تتميز عن لغة الحيوانات وذلك لأن الإنسان يمتاز بتركيبات بيولوجية وعصبية تمكنه دون غيره من الكائنات الحية من استخدام اللغة وبالرغم من نجاح بعض الحيوانات كالشمبانزي في تعلم اللغة أو ترديد الببغاء لبعض الألفاظ الإنسانية، فإن اللغة البشرية لها خصائصها ومميزاتها، كما أن لغة الإنسان تمثل التعبير عن المشاعر والأفكار واستقبالها عن طريق الرموز اللفظية ومن ثم فهناك ما يوجد بين لغة الإنسان وبين الكلام وفي نفس الوقت يوجد فرق بينهما وبين نظم الإشارات ومن خصائص لغة الإنسان الدلالة وغنى المعنى فرموز اللغة عند الإنسان تمثل الناس والأشياء والأفكار.
ومن هذه الخصائص أيضاً الإنتاجية بمعنى أن الفرد قادر على تكوين عدد غير محدود من الجمل، والإبدال أي إحلال الرمز محل الشيء ليسد عنه في غيابه، وهذه اللغة بهذه الخصائص هي التي ينبغي للكائن البشري أن يتعلمها ويتقن مهاراتها، وهذا لا يتأتى إلا بعد ممارسة ومرور فترة زمنية يعيشها الطفل وتتهيأ له فيها الشروط المناسبة لتعلم اللغة.
الاستعدادات الجسمية لاكتساب اللغة عند الرضيع
يولد الطفل مزوداً بإمكانيات بيولوجية وفيزيولوجية خاصة بكل من الجهاز العصبي والجهاز الصوتي، وفيما يتعلق بالجهاز العصبي والسمعي فإن اكتساب وتعلم اللغة يتطلب وظائف عقلية يقوم بها الدماغ الإنساني ومن هذه الوظائف التمييز بين الأصوات المختلفة والانتباه والتذكر أما الجهاز الصوتي فيتكون من الرئتين والقصبة الهوائية والحنجرة ولسان المزمار وتجاويف الفم واللسان والشفتين وفتحات الأنف وعضلات الحجاب الحاجز، وتتم عملية التصويت من خلال ضغط عضلات الصدر والبطن على الرئتين الممتلئتين بالهواء ليندفع الهواء من القصبة الهوائية فالحنجرة ففتحة المزمار حيث يكتسب هناك لحناً مميزاً ليزداد هذا اللحن تمايزا بدخول الصوت إلى تجاويف الفم والحنجرة إلى أن يخرج من بين الشفتين.
مراحل النمو اللغوي في المهد وخلال الرضاعة
-
مرحلة التصويت
أو مرحلة ما قبل الكلام وثبت أن هذه المرحلة من مراحل النمو اللغوي تبدأ مع ميلاد الطفل وتنتهي عندما يصبح الطفل قادرا على استخدام بعض المفردات التي يستطيع الكبار تمييزها وفهمها، ويتم ذلك عند الطفل العادي في حدود نهاية العام الأول من عمره وتمر هذه المرحلة بعدة خطوات، تصدر في كل خطوة أصواتاً معينة تتمثل في:
ـ الصراخ: وهو أول الأصوات وأبسطها والتي يصنعها المولود ليتصل بالآخرين وصراخ الأطفال في الاسابيع الأولى من الميلاد يصدر على ثلاثة أنماط (الدال على الجوع، الدال على الغضب، الدال على الألم) ووجد أن الام قادرة على التمييز بين هذه الانماط من الصراخ والاستجابة الانفعالية لها تتم بشكل يكون تلقائياً، وبعد ثلاثة أسابيع من الميلاد تقريباً تبدأ أصوات جديدة قد تكون في البداية صادرة عن حركات المص والبلع في الفم إلا أنها لا تأتي عندما يكون الطفل مرتاحاً أو عندما يشعر بالجوع أو الالم أو الغضب، وهي أصوات يعبر عنها الطفل عن سروره وسعادته كما أنها لازمة لتدريب أوتاره الصوتية.
-
مرحلة الاصوات العشوائية (المناغاة)
وتعقب مرحلة التصويت وتبدأ مع بداية الشهر الرابع من الميلاد بالتقريب حيث يبدأ الطفل بإصدار أصوات عشوائية مزل (دا، جا، با،..) وكأنه يثرثر (يناغي) وذلك بإصدار مقاطع لا ترابط بينها ولا تتكرر ولا يظهر عليها أي انتظام، ويبدو أن وظيفة هذا النوع من الاصوات تدريب عضلات الجهاز الصوتي وخاصة تلك الكائنة في الحلق واللسان والشفتين، كما تصدر أصوات عشوائية للأطفال متقاربة جدا مهما كانت جنسياتهم مما حدا بالبعض إلى اعتبار هذه الأصوات فطرية.
-
مرحلة الحروف التلقائية
تدريجياً تبدأ المقاطع التي يصدرها الطفل كأصوات عشوائية تأخذ تتابعاً معيناً حيث يكرر الطفل المقطع ربما أكثر من مرة، لينتقل من مقطع إلى آخر وقد تكون هذه المقاطع واضحة تماماً ومشتقة في الأعم الأغلب من اللغة القومية أو ما يعرف بلسان الأم، مما يشير إلى أن الطفل بدأ يتعلم ويفسر، وفي نظر المهتمين بلغة الرضيع تبين أن هذه الظاهرة تفترض أن الطفل يصدر الصوت سواء كان هذا الصوت من ابتكاره هو أو مما يسمعه من أصوات حوله، حيث يسمع ذلك الصوت فيقلده بتكرار نفس اللحن والطفل في هذا الطور لديه القدرة أن يميز بين الألحان المختلفة وينتبه لها ويتذكرها، مما يكسبه القدرة على تقليدها وتكرارها، وقد تبين أن إحساس الطفل بشيء من السرور عندما يسمع الصوت نوعاً من المكافأة والتشجيع له تدفعه إلى معاودة النطق.
-
مرحلة الكلام
يقوم الطفل باستخدام ما يعرف بالتقليد الذاتي حيث يقلد الاصوات التي يسمعها وغالباً ما يكون هو مصدر هذه الأصوات، وبعد هذه المرحلة يتقدم خطوة أخرى في نموه اللغوي ليصبح أكثر إيجابية واتصالاً بمن حوله من الكبار فيسمع للمقاطع التي تخرج من فم الأم وهي مقاطع مقصودة بمعنى أن الأم تريد من طفلها أن يتعلمها ويلاحظ مخارج هذه المقاطع من خلال تشكل شفتي الام أثناء النطق، فيحاول أن يأتي نطقاً قريباً من نطق الأم، ومع التكرار والمكافأة التشجيعية التي يتلقاها من الأم، كالابتسامة والاحتضان والتربيت على الخد والتقبيل يتعلم نطق الأصوات التي تريدها أمه، وهنا يبدأ استعداده لتعلم الكلمات وربطها بمدلولاتها.
-
وعندما يصل الطفل إلى نهاية العام الأول تزيد لديه القدرة على التقليد والتذكر واستخدام الرموز وفهم دلالاتها، حيث يعتقد البعض أن القدرة على التقليد والاحتفاظ أساسية في اكتساب معاني المفردات، كما أن استخدام الرموز وفهم دلالاتها يعبر عن إدراك الطفل لوجود الأشياء والناس واستمرارية هذا الوجود وإدراكه للسببية ولا شك أن النمو النفسي الحركي وكذلك النضج النيورولوجي الذي اكتسبه الطفل في الشهور الماضية من عمره يساهمان في إدراكات الطفل وبالتالي في استعداده لتعلم الكلام.
ولا شك أن الطفل في هذه المرحلة من مراحل نموه اللغوي يندرج في اكتسابه لمفرداته اللغوية من الكلمة الواحدة إلى الكلمتين إلى الكلام المتتابع.
-
الكلمة الواحدة: ينطق الطفل الكلمة المفهومة لديه والتي اكتسبها عبر عملية التقليد الموضوعي، وهذه الكلمة تربط بين الرمز ومدلوله أو بين الكلمة ومسماها وبذلك يكون قد أتقن كلمة واحدة وأجريت دراسات على الكلمة الواحدة في لغة الأطفال ووجد أن الاسماء أكثر انتشاراً من الأفعال وغالباً ما تستخدم الحروف في نطق الطفل، وغالباً ما يكون نطق الكلمات طفولياً بمعنى أنه لا يكون سليماً بشكل تام، كما أن الكلمات التي يكتسبها الطفل أولاً هي تلك التي تتصل بتحقيق رغبة لديه خاصة بحاجة بيولوجية، والأشياء التي ينطق أسماءها أولا هي التي تتضمن حركة كالألعاب والحيوانات، كما أن الكلمة الواحدة يقوم الطفل بتعميمها على المواقف المتشابهة في الحركة أو الشكل أو الحجم أو الصوت أو المذاق أو اللمس.
-
الكلمتان: وتبدأ عادة مع نهاية الشهر الثامن عشر إلى عمر عامين وتكون مفردات الرضيع حوالي 50 كلمة وتزداد بعد ذلك المفردات للتعبير عن مختلف المواقف، وتسمى هذه اللغة (اللغة البرقية أو التلغرافية) وحيث يتبع الطفل نظاماً معينا في التركيب اللغوي وحيث لا تكون هناك روابط بين الكلمات بحيث يصعب فهمها ما لم تكن مرتبة بالموقف الذي تتم فيه.
وقد تتبع أحد الباحثين هذا التنوع من الكلام ولاحظ أنه يحتوي على نوعين من الكلام أحدهما محوري يتكرر في أغلب التركيبات اللغوية مثل (بابا راح.. بابا أكل.. بابا دخل.. إلخ) والثاني مفتوح لا يتكرر كالأول وقد أطلق على هذا الكلام اسم النحو المحوري بينما هناك رأي آخر لا يتوافق مع ما ينادي به آخرون من أن مرحلة الكلمتين ما هي إلا إعداد لتكوين الجملة التامة البسيطة بجميع أنواعها من حيث النوعية فقد وجد أن الكلمات الدالة على الأسماء تظهر أولا في لغة الطفل وقد يعود ذلك إلى أن الاسم يعبر عن علاقة واحدة تربط بين الرمز ومدلوله، ومن السهل على الطفل في نهاية العام الاول من عمره أن يدرك الارتباط بين الدال والمدلول من خلال التكرار في مرحلة التقليد الموضوعي.
ثم تظهر الأفعال في لغة الطفل حينما يصبح قادرا على إدراك علاقات أكثر وتكوين الجملة البسيطة فالفعل يدل عليه حدث في مكان أو في زمان معين مما يجعله أكثر صعوبة من الاسم، وأخيراً يبدأ ظهور بعض الحروف الرابطة في لغة الطفل بين الكلمات ذلك أن الحرف لا معنى له في ذاته وقد يكون مفيداً أن نوضح عيوب النطق عند بدء تعلم اللغة المنطوقة إذ أن هذا يمثل مشكلة تؤرق الآباء والأمهات وقد لا يستطيعون علاج ذلك بسهولة.
-
عيوب النطق عند الطفل الرضيع
هناك مشكلة تتصل بلغة الطفل الرضيع وهي أن بعض الأطفال يجدون صعوبة في النطق سواء لبعض الحروف أو لبعض الكلمات فيتعثر لسانه فيها ثم ينطقها فجأة وباندفاع وهذه المشكلة قليلة الحدوث في العام الثاني فهي بالعادة تظهر بين العام الثالث إلى السادس وسببها على الأغلب يكون نفسياً، أما إذا ظهرت في العام الثاني فإنها في أغلب الأحوال تكون تقليداً لأحد أفراد الأسرة المصاب بالتهتهة أو اللجلجة أو الثأثأة والعلاج دائماً يكون بالتعاون بين طبيب الاطفال وطبيب الأنف والأذن، وقد يحتاج إلى طبيب نفسي أو اختصاصي في علاج عيوب النطق، أو يحتاج أيضاً إذا كانت هناك مشكلة في نطق بعض الحروف مثل الراء أو السين أو الشين وهكذا، وبقليل من الصبر والتدريب يمكن للأم أن تدرب الطفل على نطقها نطقاً سليماً، أما إذا فشلت فلا بد أن تلجأ إلى الطبيب واختصاصي عيوب النطق.
والواقع أن البيئة والأسرة التي ينشأ فيها الطفل لها تأثير كبير على الوقت الذي يبدأ فيه الطفل الكلام وعلى طريقة استعماله للكلمات وسرعته في هذا الاستعمال كما أننا نستطيع أيضاً أن نقول إن الأطفال رغم اختلافهم في معدل النمو وفي درجات الذكاء إلا أن الطفل يتأثر في نموه العقلي والجسمي بالبيئة المحيطة به، فالطفل يحب التقليد ويرغب في محاكاة كل ما يفعله الكبار، ولا بد من التحذير من الضغط على الطفل عندما نحاول التعجيل في النمو العقلي دون أن يكون الطفل مستعداً لذلك، ويجب فقط أن يكون الدور الابوي هو الدليل والمرشد الذي يوجه تقدم الطفل دون إعاقته نحو النطق السليم والمعرفة بكل ما يحيط به من أشياء على أن يؤخذ في الاعتبار أن الطفل لا يزال يستطلع ما حوله ويرغب في معرفة الاسم والفائدة واللون والطعام وكل ما يمكن أن يجمعه من معلومات حول كل ما تقع عليه حواسه في العالم المحيط به ويخلط الواقع بالخيال، ولذا فهذه الفترة من حياته لها أهمية كبيرة في تكوين محصوله اللغوي والمعرفي، ويجب أن يعامل الطفل باهتمام شديد كي يكون هناك طفل سليم النطق على درجة عالية من الذكاء والمعرفة.
المصدر: موسوعة تنمية الطفل، مشترك مع الدكتور عبد المجيد سيد أحمد، ط1 2003، دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، جمهورية مصر العربية.
























