(يا عدي أسلم تسلم)
رسول الله صلى الله عليه وسلم
ليس يخفى على قارئ متتبّع، أو باحث متطلّع ما ادلهمّت به الأمور في حياة صحابتنا الأكارم رضوان الله عليهم، وما عانوه كرًّا وفرًّا في ساحات النزال في صدر الدعوة الإسلاميّة، حتى اشرأبت قاماتهم ثباتًا، وقويت شوكتهم ثناءً، فاعتلوا صهوة الاصطبار شغفًا للجنان الفساح.
وفي مقالنا هذا نستلهم من سيرة صحابيّ كريم، زعيم همام، خطيب مدره، وشجاع مقدام، ورث الزعامة عن أبيه، متسربلاً ثوب المجد على قبيلته، هو ذاك عديّ بن حاتم الطائي، الذي عادى الرسول صلى الله عليه وسلم قرابة العشرين عامًا أشد العداوة دون أن يعرفه، وأبغضه قبل أن يراه، فهجر وطنه وقومه فراراً منه، حتى كانت السنة التاسعة للهجرة، دان للإسلام بعد نفور شديد، ولان للإيمان بعد صدّ، وافداً على رسول الله صلى الله عليه وسلم معطياً له الطاعة والولاء، بعد طول إعراض وإباء، مققرّاً بشهادة التوحيد بين يديّه صلى الله عليه وسلم إقراراً ستصغر به ما يمتلك من جاه وملك وثراء؛ مطهّراً نفسه وماله وولده ورعيته، فكان ممن شملهم قول الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم حين سئل عن خير الناس، فقال: (خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا).
وعديّ هو ابن الجواد حاتم الذي يُضرب المثل بجوده، فحين ولج الهدى قلبه، رَسَا جوانحه، ورسخ رسوخ الجبال الثوابت، لازم الرسول صلى الله عليه وسلم وصاحبه، حتّى أن جاور ربّه تعالى، وله معه حوارات عديدة، وروايات كثيرة، سلّطت كتب السير الضوء عليها بإسهاب، وفي وصفه قال أبو إسحاق: رأيتُ عدياً رجلاً جسيماً أعور، يسجدُ على جدار ارتفاعه نحو ذراع.
فكما كانت له منزلة رضي الله عنه عند رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت له مكانة أيضاً عند خلفائه الراشدين وصحابته الكرام رضوان الله عليهم، فقد كان يقف معهم جنباً إلى جنب، يعودهم، ويزورهم، ويجالسهم، فما أن أشعلت حروب الردة فتنتها، كان من أوائل المبادرين الوافدين على الخليفة أبي بكر الصديق رضي الله عنه بتقديم صدقة قومه، مؤكداً ولاءه للإسلام العظيم وثباته على شريعته.
وما أطيبها من شهادة للخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حين وفد عليه عديّ بن حاتم، سائلاً: يا أمير المؤمنين: أما تعرفني؟ قال: بلى، والله أعرفُك، أكرمك الله بأحسن المعرفة، أعرفك والله، أسلمتَ إذْ كفروا، وعرفت إذ أنكروا، ووفّيتَ إذْ غدروا، وأقبلتَ إذ أدبروا. فقال: حسبي يا أمير المؤمنين حسبي.
ففي زمان معاوية، كان معاوية يقدّر عدي بن حاتم، ويهابه، ويعرف سداده.
فيما عرف عن عديّ شغفه بالصلاة مذ دخل الإسلام، حتّى أنه لم يناد إلى صلاة، إلا وكان على وضوء، مع اشتياق لها.
غير أنه رجل اتسم بالعطف والرحمة، لكل ما خلق الله كبر شأنه أو صغر، وفي ذلك.. أنه كان يفت الخبز للنمل ويقول: إنهن جاراتٌ، ولهن حق.
ولما كان مشهورًا بكرمه، فقد حكي أنه عندما سكن الكوفة، أرسل الأشعث بن قيس إليه يستعير منه قدور حاتم، فملأها وحملها الرجال إليه، فأرسل إليه الأشعث: إنما أردناها فارغة! فأرسل إليه عديّ: إنا لا نعيرها فارغة.
ولعلّ سداده الحصيف في مزالق الفتن، وتمرّسه البصير في الشدائد، وبصيرته النافذة وتجاربه الكثيرة الماضية، أبرزت بطولته وقيادته في الفتوح، فقد شهد فتوح العراق، ووقعة القادسية ووقعة مهران ويوم الجسر.. وغيرها، فلما كان يوم الجمل فُقِئت عينه، وقتل ابنه محمد، وهذا حدث لم يثنه عن مواصلة الجهاد والذود عن هذا الدين العظيم، فسجّل لنفسه في تاريخ الإسلام الأول صفحات مجيدات.
ورحمة من الله واسعة لمن عمّر زماناً فاق المائة عام، قضاها بين طاعة وعبادة وجهاد.
























