بقلم / د أسامة احمد مدبولي خبير واستشاري في التربية الخاصة ومدير مركز معا للتربية الخاصة
في مشاهد تتكرر مع كل ازمة، فالأطفال، في مواجهة مباشرة مع خطر لا يملكون له دفعًا. وبينما تنشغل الأخبار بالأرقام والخسائر المادية، تبقى فئة واسعة من المجتمع في دائرة الخطر الصامت: ذوي الإعاقة، الذين تتضاعف معاناتهم في أوقات الازمات، ليس فقط بسبب القصف ذاته، بل بسبب غياب الاستعداد، وضعف الوعي، وقلة الخطط التي تراعي احتياجاتهم الخاصة.
الازمات لا تفرّق بين طفل وآخر، لكنها بلا شك تكون أكثر قسوة على من يعاني إعاقة ذهنية أو جسدية أو حسية، أو اضطرابًا في التواصل والسلوك. ومع تصاعد وتيرة النزاعات في مناطق مختلفة من العالم، يصبح الحديث عن حماية ذوي الإعاقة أثناء القصف الجوي ضرورة إنسانية وإعلامية لا تحتمل التأجيل.
والقصف الجوي، بطبيعته المفاجئة وأصواته العنيفة، يمثل تجربة صادمة حتى للكبار، فكيف بالأطفال؟ أصوات الانفجارات، اهتزاز الأرض، انقطاع الكهرباء، واللجوء المفاجئ إلى أماكن ضيقة، كلها عوامل تخلق حالة من الرعب والارتباك.
أما الأطفال من ذوي الإعاقة، فتكون آثار القصف عليهم أشد وطأة، إذ يواجهون صعوبة في:
- فهم ما يحدث من حولهم.
- الاستجابة السريعة للتعليمات.
- التحكم في مشاعر الخوف والقلق.
- التعبير عن الألم أو الحاجة للمساعدة.
وفي حالات كثيرة، تتحول هذه التجربة إلى صدمة نفسية طويلة الأمد، قد تظهر آثارها في سلوك الطفل ونموه النفسي والاجتماعي لسنوات لاحقة.
كما تشمل فئة ذوي الإعاقة الأطفال من ذوي الإعاقات الذهنية، واضطرابات النمو، والإعاقات الحركية، والسمعية، والبصرية، إضافة إلى الأطفال الذين يعانون من اضطرابات نفسية أو صعوبات تعلم. هؤلاء الأطفال يعتمدون بدرجات متفاوتة على أسرهم أو مقدمي الرعاية، ويحتاجون إلى بيئة مستقرة وروتين واضح، وهو ما تفقده الحروب بشكل مفاجئ.
وتشير تجارب إنسانية عديدة إلى أن غياب خطط طوارئ مخصصة لهذه الفئة يؤدي إلى:
- زيادة معدلات الإصابة.
- تفاقم المشكلات النفسية.
- فقدان مهارات مكتسبة سابقًا.
- صعوبات في الاندماج بعد انتهاء الأزمات.
وفي ظل المخاطر المتوقعة، نؤكد أن الاستعداد المسبق هو العامل الأهم في تقليل الأضرار. ويشمل ذلك إعداد الأسرة، والطفل، وحتى المحيط المجتمعي القريب.
فإعداد حقيبة طوارئ مخصصة للطفل من ذوي الإعاقة يُعد خطوة أساسية، على أن تحتوي على الأدوية الضرورية، والتقارير الطبية، وأدوات التواصل البديلة، إضافة إلى أشياء مألوفة تمنح الطفل شعورًا بالأمان. كما يُنصح بتحديد مكان آمن داخل المنزل، بعيدًا عن النوافذ، وتدريب الطفل — بقدر استطاعته — على الوصول إليه بهدوء.
ولا يقل الجانب النفسي أهمية عن الجانب المادي، إذ يحتاج الطفل إلى شرح مبسّط لما قد يحدث، دون تهويل أو تخويف، مع تكرار التعليمات بلغة تناسب قدراته الذهنية.
وعند وقوع القصف، يصبح سلوك الأهل العامل الحاسم في تهدئة الطفل. فالطفل، وخاصة من ذوي الإعاقة، يستمد شعوره بالأمان من ملامح وجه الأهل ونبرة صوتهم. لذلك، فإن الحفاظ على الهدوء، واستخدام كلمات بسيطة ومطمئنة، قد يخفف كثيرًا من حدة الخوف.
وننصح هنا بتقليل المؤثرات الحسية قدر الإمكان، سواء من خلال استخدام وسائل تخفيف الضوضاء، أو إبعاد الطفل عن مصادر الضوء القوي، أو احتضانه بطريقة تمنحه شعورًا بالأمان. كما يجب مراعاة خصوصية كل إعاقة، فالأطفال من ذوي اضطرابات التواصل قد يحتاجون إلى إشارات بصرية، بينما يحتاج الأطفال ذوو الإعاقة الحركية إلى مساعدة خاصة في الحركة والوضعية الآمنة.
وانتهاء القصف لا يعني انتهاء المعاناة. ففي كثير من الحالات، تبدأ الآثار النفسية في الظهور بعد هدوء الأصوات. وقد يلاحظ الأهل تغيرات في سلوك الطفل، مثل اضطرابات النوم، أو نوبات غضب، أو تراجع في مهارات كان قد اكتسبها سابقًا.
التعامل مع هذه المرحلة يتطلب صبرًا ووعيًا، وإتاحة الفرصة للطفل للتعبير عن مشاعره بالطريقة التي يستطيعها، سواء من خلال اللعب أو الرسم أو الإيماءات. كما يُنصح بعدم إجبار الطفل على الحديث عن التجربة، والاكتفاء بالاستماع والدعم.
وفي حال استمرار الأعراض، يصبح طلب الدعم النفسي خطوة ضرورية، لا سيما للأطفال من ذوي الإعاقة، الذين يكونون أكثر عرضة لتأثيرات الصدمة.
كما تقع على عاتق الأسر مسؤولية كبيرة في حماية أبنائها، سواء كانوا من ذوي الإعاقة أو من الأطفال العاديين. فالأطفال العاديون بدورهم يتأثرون بما يرونه ويسمعونه، وقد يعكسون مخاوفهم بسلوكيات مختلفة.
ومن المهم أن تحرص الأسر على:
- تقديم معلومات صادقة تناسب عمر الطفل.
- تجنب تعريض الأطفال لمشاهد العنف عبر الشاشات.
- تعزيز قيم التعاون والتعاطف داخل الأسرة، خاصة تجاه الإخوة من ذوي الإعاقة.
ولا تقتصر المسؤولية على الأسرة وحدها، بل تمتد إلى المجتمع بمؤسساته المختلفة. فالمدارس ومراكز التربية الخاصة مطالبة بوضع خطط طوارئ تراعي احتياجات جميع الأطفال، بما في ذلك ذوو الإعاقات. كما يقع على عاتق المؤسسات الصحية والاجتماعية تقديم الدعم النفسي العاجل.
أما وسائل الإعلام، فلها دور محوري في نشر الوعي، من خلال تقديم معلومات دقيقة وإرشادات عملية، بعيدًا عن التهويل أو بث الذعر، مع تسليط الضوء على احتياجات الفئات الأكثر ضعفًا.
وفي زمن الازمات، يصبح الحديث عن حقوق ذوي الإعاقة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. فهؤلاء ليسوا مجرد فئة تحتاج إلى رعاية إضافية، بل هم اختبار حقيقي لإنسانية المجتمعات. إن حماية الأطفال، وخاصة ذوي الإعاقة، أثناء القصف الجوي، ليست ترفًا ولا خيارًا، بل واجب أخلاقي وإنساني، يبدأ بالوعي، ويمر بالاستعداد، وينتهي بالتكاتف المجتمعي. فوسط الدمار والضجيج، تبقى حماية الأضعف رسالة لا يجب أن تغيب عن العناوين.























