بقلم سعيد رمضان علي – مصر
الحياة مع فقدان السمع ليست سهلة؛ فأنت تدخل مباشرة إلى “عالم الصمت”، وبعدها تواجه ظلامًا يحيط بمداركك وفهمك للعالم، وصولًا إلى ضعف القدرة على الكلام، وحتى فقدانها، بسبب عدم التواصل. كل هذا يمثل تحديات جسيمة للمصاب بفقدان السمع، وخاصة الفقد في الطفولة، لكن هل ينبغي أن يكون هذا هو نهاية القصة؟
بالنسبة لي لم تكن تلك النهاية، بل بداية جديدة؛ فقد اخترت القراءة والتثقيف كأول خطوة في رحلتي الطويلة نحو النور. القراءة هنا لم تكن مجرد اكتساب للمعرفة فقط، بل كانت عملية استعادة للاتصال بالعالم، وطريقة لخلق جسر بين عالمي الداخلي وعالم الآخرين. إنها أداة قوية لتوسيع المدارك، ومنح الأمل، وإعادة بناء الفهم.
ثم جاءت “عملية الكتابة الأدبية” كخطوة طبيعية ومهمة لتجسيد هذا النور الذي وجدته. الكتابة هي وسيلة للتعبير عن الذات، وللتواصل، ولإضفاء معنى على التجارب. لقد حوّلتني من إنسان مهمش، شبه عاجز، إلى إنسان قادر على إنجاز روايات، تُعرض في معارض الكتاب الدولية.
أصبحت القراءة والكتابة هي الصحبة التي اخترتها، وهي مصدر استرشادي ومنهجي. لقد قمت بتحويل الحاجة إلى اتصال، إلى شكل من أشكال الاتصال بالذوات العظيمة من خلال عمالقة الأدب، إنهم يتركون لنا في كتبهم الحكمة المتجسدة في الكلمات، والتجارب الإنسانية التى تمنحنا القدرة على نمونا الداخلى من خلال تنمية مشاعر التعاطف العميق نحو الضعف الإنسانى.
ومع ذلك، فمن الطبيعي جدًا أن يظل شعور العزلة حاضرًا، خاصة عندما أتحدث عن تجارب تركت أثرًا عميقًا في نفسي، فالصمم يمكن أن يخلق حاجزًا غير مرئي، حتى لو تم تجاوز حاجز اللغة بالقراءة والكتابة، فإنه يؤثر على طريقة تواصلنا، وطريقة إدراكنا للتفاعلات،
وقد يجعلنا نشعر بأننا لسنا جزءًا من النسيج الاجتماعي بنفس الطريقة، ويساهم السامعون – بوعي أو دون وعي – في تعزيز شعورنا بالعزلة، إما بالاستخفاف بنا أو استغلالنا، أو تجاهلنا كليًّا.
وعندما يتعرض جوهرنا الحساس للصدمات المتكررة، من الاستغلال، أو التجاهل، أو النقاشات السطحية التي لا تخدم الحقيقة أو العمق، فإن بناء جدار لحمايتنا يصبح غريزة للبقاء النفسي.
هناك صراع بين العالم الداخلي الغني والمعقد الذي أعيشه – عالم الكاتب الذي يعتمد على لغة وأسلوب خاص به – والعالم الخارجي الذي لا يستطيع استيعاب هذه اللغة المختلفة، سواء كانت لهجة أو أسلوبًا فكريًا، ومن هنا مشكلتي التي أعاني منها؛ إن لغة كتاباتي الداخلية هي المسيطرة، فجوهرِي يتحدث بلغة لا يتقنها الآخرون بسهولة، هذا يضعني في موقف “المترجم الدائم” أو “الغريب” حتى وأنا بينهم، فالشعور بأنه لا يتم فهمي هو شكل من أشكال العزلة الوجودية.
صحيح أن الناس يحترمون إنجازي الأدبي، وهذا يغذي حاجتي للتقدير والاعتراف الخارجي. وهذا الاحترام ضروري، لكنه في الأصل احترام موجه لـ “ما أنجزته”، وليس لـ “شخصيتي الإنسانية” التي تقف خلف هذا الإنجاز، مما يجعلني أشعر بأني في عالم آخر، رغم وجودي المادي في هذا العالم، إنه انفصال بين الذات التي تتعامل مع الشهرة والنجاح، والذات التي تشعر بالعطش للتواصل الحقيقي.























