لست هنا بصدد تأكيد دلالة هذه المقولة اليونانية التي تشير إلى أن الإنسان الصامت يكون في الحقيقة مختفياً إلى أن ينطق فنرى مكانه إن خيراً أو شراً، ما أريده هو أن أسير بهذه المقولة سيراً مختلفاً وألبسها من عالم الإعاقة ثوباً مغايراً، ذلك أن الأشخاص المبصرين حين يتبادلون الحوار بينهم عند التقائهم عادة تحمل وجوههم ما يشبه إشارات المرور؛ أعني بذلك تلك العلامات التي يعطي بعضها رسالة مرئية واضحة أن صاحبها مستعد لاستقبال المزيد من الحديث في حين يعطي بعضها الآخر ضوءاً أحمر يرجو توقف المتحدث إن كان يتمتع بذكاء اجتماعي وحس يمنعانه من أن يواصل حديثه حتى لو لم يرغب الآخرون في ذلك.
ولكن كيف يكون الحال عند الكفيف؟
كيف يتاح له في هذا الموقف أن يمارس ذكاءه الاجتماعي؟ وهل عليه أن يطلق لحديثه العنان في مسارات لا يبصر فيها تلك الإشارات المرورية الحديثية!
في اعتقادي ومن تجربتي أن فرصة ممارسة الذكاء الاجتماعي لهذه الحالة تقع مسؤولية توفيرها على عاتق الأشخاص المبصرين محدثي الشخص الكفيف، فهم ولمصلحتهم ولمصلحة الشخص الكفيف مطالبون بأمر بسيط؛ وهو أن يعتنوا بإشارات مرورية حديثية لكنها صوتية تدل بأسلوب معين على المتابعة المنتظرة للمزيد وتدل في أحوال أخرى على الفتور وتوسل التوقف.
أقول هذا لأن إرباكاً لا يتخيل معاناته إلا من جربه كان يصيبني ولا يزال في مواقف أبتلي فيها بأشخاص مبصرين يعشقون الصمت حينما أحدثهم لدرجة أنني قد يساورني اعتقاد قوي بأني أتحدث إلى الفراغ وأن من كان معي طرفاً في الحوار قد مضى، لذا أجدني أهمس في أذن كل شخص مبصر يجمعه حوار وجهاً لوجه مع شخص كفيف بالمقولة التي ابتدأت بها المقال: تكلم حتى أراك.
























