اقرأ أكثر.. تبصر أبعد، وخير جليس في الزمان كتاب كما قال سيد السيف والقلم أبو الطيب المتنبي، فلا صديق يقدم لك العلم والمعرفة كما يفعل الكتاب، ولطالما تغنى الأدباء والشعراء والعلماء بفضل القراءة في الارتقاء بعقل الفرد ونهضة المجتمع، ولطالما أعزى الباحثون والمختصون الفضل في تقدم الأمم ورقيها إلى ما يقرؤه أبناؤها وكمية الكتب المترجمة إلى لغتها الأم، ففي ذلك دليل على اهتمامها بالمعرفة ومواكبة أحدث ما توصل إليه العلم في مختلف الميادين.
ولا مناص من الاعتراف بأن حال الأمة العربية في هذا المجال لا يسر إلا أعداءها، فأعداؤها يعرفون تمام المعرفة أنه كلما ابتعد العرب عن القراءة وحركة التأليف والترجمة كلما ابتعدوا عن التحصيل المعرفي والعلمي واقتربوا أكثر من أسباب الجهل والتخلف، وكما قال أحد السياسيين الغربيين (إن أردت أن تدمر أمة من الأمم فلا تشن الحرب عليها، اجعل أبناءها يبتعدون عن القراءة).
وسواء وافقنا المفكر الأمريكي (صموئيل هنتغنتون) أم لم نوافقه في نظريته عن (صراع الحضارات) فإنه لا يمكننا إلا أن نسلم بحيثية الصدام هذه، فكما بات معلوماً للقاصي والداني لم تعد الحروب تشن بالوسائل العسكرية وحسب، وإنما بتلك الثقافية والاجتماعية وهناك الحروب الاقتصادية أيضاً والتي لا تقل خطورتها عن العسكرية إن لم تتجاوزها في بعض المطارح.
ولقد لعب (الستالايت ـ الديجتال) وغزو الفضائيات اللامدروس لبيوتنا دوراً خطيراً في مهاجمة ثقافتنا وعاداتنا الأصيلة، وحلت عوضاً عنها عادات وثقافات لشعوب لا تنسجم مع طبيعتنا نحن سكان هذه المنطقة الجغرافية التي تقع في منتصف العالم وتشهد تكالباً من مختلف القوى الكبرى للسيطرة عليها باستمرار، فما زادت هذه المحطات الفضائية أبناءنا علماً ولا معرفة بالقدر الذي زادتهم تأثراً بطباع ليست من طباعنا وعادات ليست من عاداتنا فدخلوا في صراع مرير بين ما تربوا ونشأوا عليه وبين ما يرونه على شاشات التلفزة.
وهنا قد يقول قائل، لا بأس في ذلك، نحن نرى ما يعرضونه، نأخذ الجيد ونترك القبيح، إلا أن هذا القول ليس في محله البتة، فكيف لمراهق مثلاً أو لطفل أن يميز بين الجيد والسيء فيما يستقبله عقله من مشاهد تدس السم في العسل، وحتى كيف للكبار الذين لم يستطيعوا أن يحصلوا تعليماً جيداً أن يفرقوا بين الصدق والكذب فيما تعرضه عليهم مئات المحطات ذات التوجهات السياسية والثقافية الموجهة والتي يتم الإنفاق عليها بملايين الدولارات بهدف إيصال الرسالة التي يريدها أصحاب هذه المحطات فقط، فدعابة الإعلام الحر، أو الإعلام المحايد لم تعد تنطلي إلا على الجهلة، فلكل وسيلة غايات وسياسات وتوجهات تعمل على الترويج لها.
ثم أنه لا بد من الاعتراف بأننا شعوب مستهلكة لمنتجات العلم والمعرفة لا مصدرة لها، أي أن كل ما نعرفه من وسائل تكنولوجية وآلات حديثة نقوم باستيراده من الغرب وبالتالي فنحن لا نملك في هذا المجال زمام أمورنا، وإنما تفرض علينا كما هي، فالسيارات والطيارات وأجهزة الحاسوب والهواتف والآلات الميكانيكية وغيرها الكثير نقف أمامها موقف المتفرج والمستهلك، بينما هم يقومون بالتصنيع وهذا التصنيع مبني على العلم والمعرفة، فأين نحن منهما؟
وإذا ما عدنا إلى تاريخ جوائز نوبل في مختلف صنوف العلم والأدب لوجدنا أنفسنا في مؤخرة قائمة الشعوب التي نال أفرادها هذه الجائزة سواء في الطب أو الفيزياء أو الكيمياء، ولو عدنا إلى براءات الاختراع التي يتم تسجيلها يومياً في مختلف أرجاء المعمورة لوجدنا أنفسنا خارج هذه المنظومة بشكل مخجل، وكأننا لم نكن في يوم من الأيام أسياد هذا العالم علماً ومعرفة وقوة وسيادة، وكأن حضارتنا لم تمتد يوماً من الاندلس إلى الصين، وكأننا لم نكن يوماً أصحاب الاختراعات والاكتشافات!! وكأننا لم نضاهي العالم أجمع في الطب والهندسة والرياضيات والفلك والجغرافية والأدب، فلله درنا ماذا حل بنا؟!!!
طبعاً نحن نعلم ما حل بنا، فالهجمات الهمجية للاستعمار منذ الحروب الصليبية القذرة إلى الاستعمار العثماني المتخلف الذي جثم فوق صدورنا أربعمائة عام إلى الاستعمارين الفرنسي والبريطاني وحليفهما الصهيوني الأمريكي جعلتنا نعاني الويلات في ظل الظلم والبؤس والفقر والقتل والاضطهاد، وهذا ما أثر كثيراً على تقدمنا المعرفي والعلمي، لكن جزءاً من المسؤولية يقع علينا، فلولا تشرذمنا وتشتتنا لما استطاع المستعمر أن ينال منا ويبقينا غارقين في الجهل لينهب من ثرواتنا ويقسم أرضنا كما يشاء، بينما نحن لا حول ولا قوة لنا إلا فيما ندر.
في الختام
لا يسعنا إلا أن نأمل أن تصحو الأمة مما حل بها على واقع أفضل، فقد طال تأخرنا عن ركب الأمم التي تغزو الفضاء وترسل المركبات إلى القمر والمريخ وتقدم كل فترة أجيالاً جديدة من الحاسبات الإلكترونية المذهلة، والهواتف الذكية المتفوقة، ولا سبيل إلى ذلك إلا بإعادة الاعتبار لمكانة العلم والمعرفة في نفوسنا والعمل على محو الأمية المتفشية في مختلف البلدان العربية وهذا العمل الضخم بحاجة لتكاتف جميع الجهود الحكومية والخاصة والفردية، وكل حسب موقعه، ودعونا دائماً نتذكر مقولة ذلك الزعيم الذي خاضت بلاده واحدة من أشرس الحروب وحاق بها دمار عظيم عندما قالوا له ما العمل الآن: فأجاب متسائلاً: كيف حال التعليم والقضاء؟ قالوا: حالهما جيد، قال: لا خوف إذاً على أمتنا.
























