يلتبس على البعض مفهوم (معاملة الأشخاص من ذوي الإعاقة) فيذهب فكرهم مباشرة باتجاه ضرورة العطف عليهم أو الشفقة وفي أحيان كثيرة يتمحور هذا الموضوع في أذهانهم حول ضرورة تقديم المساعدة المادية لهم دون تكليف النفس عناء الاطلاع الدقيق على هذا الموضوع، أو القيام بالاستفسار من أحد الأشخاص المختصين في المجال ما يؤدي إلى تشكيل مجموعة من السلوكيات غير المقبولة بالنسبة لهذه الشريحة من أبناء المجتمع.
وحول معاملة الأشخاص من ذوي الإعاقة ألفت مئات من الكتب، ووضعت آلاف الدراسات والأبحاث التي تتناول أهم الأساليب والطرق الصحيحة في التعامل مع فئة المعاقين بكل احترام وتقدير، وبعيداً عن امتهان كرامتهم من خلال بعض الممارسات التي يكون القصد منها هدفاً نبيلاً ولكن الطريقة في التواصل تخلق مجموعة من المشاكل التي يؤدي تراكمها في المجتمع إلى خلق مسافة شاسعة بين الأشخاص المعاقين وأقرانهم من غير المعاقين، كما يؤدي إلى انعزال الأشخاص من ذوي الإعاقة عن المجتمع تجنباً لهذه السلوكيات التي قد يتعرضون لها.
ولا يحتاج الأمر إلى جهد كبير كي يلم المرء بأبسط قواعد المعاملة مع الأشخاص من ذوي الإعاقة، ولا يتطلب الموضوع تمضية الوقت الطويل في تعلم ذلك، إذ أن الأمر لا يحتاج منا سوى القليل من التفكير بالكلام قبل قوله والتفكير بالفعل قبل تأديته، فنتجنب المصلحات السلبية التي تثير حفيظة الأشخاص من ذوي الإعاقة ونتحدث معهم تماماً كما نتحدث مع الاشخاص غير المعاقين، ولا نقوم بأفعال ارتجالية تظهر أنهم عاجزون عن التصرف أو المبادرة، وبكل تأكيد لا ننظر إليهم من باب العطف والشفقة.
إن نظرة العطف والشفقة التي يوجه سهامها البعض صوب الاشخاص من ذوي الإعاقة وأسرهم تنخر آثارها عميقاً في نفوسهم، لا بل إن أثرها يتعدى الجانب النفسي إلى الجانب الاجتماعي فيصبح اصطحاب الاسرة لابنها المعاق خلال رحلاتها وزياراتها الاجتماعية محفوفاً بالحيطة والحذر، وبدل أن تخرج الأسرة للاستمتاع بوقتها وإتاحة الفرصة أمام أبنائها للعب، يصبح همها الأكبر مداراة ابنها المعاق خوفاً من نظرات العطف والشفقة، أو ربما عدم اصطحابه نهائياً معها، وهذا ما يشكل واحداً من أهم الحواجز التي تقف عائقاً أمام عملية الدمج.
فعملية دمج الأشخاص من ذوي الإعاقة وبالإضافة إلى كونها تحتاج دراسة علمية وعملية واسعة ومعمقة قبل القيام بها، فهي لا يمكن أن تتم من طرف واحد، وهنا يأتي دور المجتمع في تقبل الأشخاص من ذوي الإعاقة والتعامل معهم بناء على أسس من القيم الإنسانية النبيلة والتي تقضي بتجنب إحراجهم وإحراج أسرهم، بل على العكس التحاور معهم بطريقة لا تتضمن التصنع والمبالغة ولا تتضمن الاستهتار واللامبالاة.
ولا بد من الأخذ بعين الاعتبار لدى التعامل مع الأشخاص من ذوي الإعاقة مسألة غاية في الأهمية ألا وهي طرد الأفكار السلبية المسبقة التي يتناقلها الناس دون علم أو معرفة، حيث تؤثر هذه الأفكار في النظرة العامة تجاه هذه الشريحة من أبناء المجتمع وتحد من إمكانية التواصل معها، لذا وجب الابتعاد عنها قدر الإمكان والإيمان بشخصية ذوي الإعاقة كفرد من أفراد المجتمع له حقوقه وعليه واجباته شأنه في ذلك شأن أقرانه من غير المعاقين انطلاقاً من مبدأ العدالة والمساواة.
إن انقطاع التواصل مع الأشخاص من ذوي الإعاقة يترك آثاره السلبية على المجتمع بشكل عام ويسبب الكثير من سوء الفهم والتصرفات غير اللائقة التي تجعل المعاقين وأسرهم لا يفكرون في بناء العلاقات الاجتماعية خوفاً من التعرض لهذه التصرفات، ومن الواجب على جميع المؤسسات والأفراد في المجتمع مراعاة هذه الناحية بشكل كبير وعدم التردد في التفاعل مع الأشخاص من ذوي الإعاقة على مختلف الأصعدة.
فقد أثبت الأشخاص من ذوي الإعاقة وفي شتى المجالات الرياضية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية أنهم قادرون على التميز والإبداع والمنافسة الشريفة في إثبات الذات والتفوق ولم تكن الإعاقة إلا دافعاً قوياً بالنسبة لهؤلاء ليضعوا بصمتهم التي لا بد أن تلاقي المزيد من الاحترام والتقديرمن قبل جميع أبناء المجتمع.
إن إلقاء نظرة سريعة على واقع التعامل مع الأشخاص من ذوي الإعاقة يشير إلى تحسن ملحوظ في طبيعة هذه المعاملة إلا أنه لا يرتقي للمستوى المطلوب، وكلنا أمل أن يزيد الوعي بآداب معاملة المعاقين انطلاقاً من الاحترام والتقدير لإنسانية هؤلاء الأشخاص أولاً، ولإمكانياتهم وقدراتهم ومواهبهم ثانياً، فهم جزء من نسيج المجتمع ذي الألوان المتعددة، والتعامل معهم على هذا الأساس واجب أخلاقي قبل أن يكون واجباً قانونياً، ومما لا شك فيه أنه لصالح وخير المجتمع بشكل عام.
























