محددات السواء والإضطراب في لعب الأطفال ذوي الإعاقة إشكالية حقيقية تتضمنها فكرة البحث عن محددات السواء والاضطراب في اللعب، بمعنى أن هناك اتفاق شبه تام بين الباحثين والمنظرين على أن لعب الأطفال يتضمن بالضرورة في كثير من الأحيان تفريغاً وتفعيلاً لمحتويات عدوانية وغير مقبولة اجتماعياً سواء كان ذلك بشكل مباشر أو على نحو رمزي أو متخيل، بمعنى أن صراعات واضطرابات كل مرحلة نمائية تنعكس بالضرورة على المحتوى الظاهر لأنشطة اللعب والتي يمكن الحكم عليها في بعض الأحيان أنها تتجاوز الحد المقبول للسواء.
السواء هنا مؤداه أن الطفل حين يلعب مرضه واضطراباته وصراعاته، فإنه بذلك يحافظ على سواءه، أي أن الطفل القادر على إخراج وتفعيل هذه المحتويات المضطربة في اللعب هو الطفل القادر على التحرر والتخلص من صراعاته بإخراجها إلى حيز الواقع ومن ثمة يمكن التعامل معها والسيطرة عليها.
ويبقى السؤال ما هي تلك المحددات التي يمكن أن تميز بين السواء والاضطراب فى اللعب؟
- حينما يكون الطفل عاجزاً تماماً عن اللعب أو الدخول فيه بأي حال، كذلك انحصار اللعب في موضوعات قليلة، وهو ما يعني أن طبيعة الصراعات والاضطرابات التي يعيشها الطفل قد حدت من تلقائية الطفل وعطلت قدراته المختلفة على التعبير عن المشاعر والانفعالات والاستطلاع والاكتشاف.
- حينما يكون اللعب تكرارياً وهى حالة تبدو في ظاهرها وكأنها حالة لعب، ويكون الطفل خلالها غير قادر على أداء غيرها أو التوقف عنها، ويكون هذا اللعب التكراري بدون هدف أو معنى أو نهاية.
- حينما يفقد الطفل قدرته على التوقف عن اللعب حينما يريد ذلك، أي أن الطفل في هذه الحالة يكون عاجزاً عن إنهاء اللعبة فنجده مثلاً يسقط من شدة الجوع أو العطش، يتبول أو يتبرز على نفسه، أو ربما يسقط على الأرض نائماً.
- حينما يكون اللعب ملتصقاً بمرحلة واحدة أو بحدث واحد، بمعنى أن يكون اللعب بمواده وأنشطته لا تتلاءم مع المرحلة العمرية للطفل، حيث يكون اللعب هنا وسيلة للارتداد والنكوص إلى مراحل أكثر طفليه تنتمي إلى مراحل عمرية سابقة.
- حينما يكون اللعب هو وسيلة مباشرة للإشباع الفوري أو للتفريغ المباشر عن المحتويات العدوانية أو غير المقبولة اجتماعياً، بمعنى أنه حينما يقوم الطفل بضرب طفل آخر فإن هذا ليس لعباً، أو أن يقوم بتدمير وتحطيم الألعاب فهذا أيضاً ليس لعباً بقدر ما هو عدوان تم تفريغه بشكل مباشر.
- حينما يكون جسم الطفل هو محور لعبه وليس أدوات اللعب، بمعنى أن يستخدم الطفل أدوات اللعب فقط لكي تستثير لديه أحاسيس لذة مثل مص الألعاب أو تقبيلها أو احتضانها أو ملامستها لمناطق جسمه الحساسة، فكل هذا أيضا ليس لعباً.
- حينما يفقد اللعب واحدة من أهم مقوماته وهي إدخال حالة من السعادة والبهجة والمرح للطفل أثناء اللعب، بمعنى أن يصبح اللعب فقط باعثاً لمشاعر القلق والتوتر والانفعال وهو ما نجده على نحو ظاهر في ألعاب الكمبيوتر وغيرها.
- خصائص اللعب لدى الأطفال المكفوفين:
في ضوء نتائج الدراسة التي أجراها كاتب هذا المقال في رسالته للدكتوراه عن لعب الأطفال المكفوفين، أشارت النتائج إلى أن الحركة هي أكثر الاستجابات التي تميز لعب الأطفال المكفوفين، حيث اتسمت الحركة بالنمطية والتكرارية الشديدة التي يستغرق فيها الطفل الكفيف لفترات زمنية طويلة وتتمثل في: الأرجحة، الاهتزاز، القفز، الدوران حول الجسم وكلها استجابات حركية تتمركز حول العضلات الكبرى إضافة إلى افتقارها لكافة عمليات التآزر ويؤدي الاستغراق فيها إلى تعثر إقامة التواصل الاجتماعي الطبيعي مع الآخرين كما أن من شأنها أن تزيد من فترات الصمت والسكون والانسحاب.
وتجدر الإشارة إلى أن هذه الاستجابات الحركية للأطفال المكفوفين هي لزمات حركية لا ترتبط بموقف اللعب وإنما هي لزمات مرتبطة بطبيعة الإعاقة في حد ذاتها ورد فعل لأساليب الإهمال والنبذ، الأمر الذي يؤدي في النهاية بالأطفال المكفوفين إلى العجز عن اللعب لدى البعض والبعض الآخر يدخل في نوبات حركية تكرارية نمطيه لا تتوقف أو تتغير مثل الاهتزاز والقفز والدوران حول الجسم.
وجدير بالذكر أن هذه الاستجابات الحركية التكرارية قد تستمر لساعات طويلة إذا لم يتدخل أحد المحيطين بالطفل ليخرجه من هذه الحركة الآلية التكرارية
.والفارق الجوهري بين لعب الأطفال المبصرين ولعب الأطفال المكفوفين يتمثل في أن أدوات اللعب بالنسبة للأطفال المبصرين تكون هي المحور والمركز لتفريغ الطاقة ومن ثم يؤدي اللعب وظائفه ويحقق أهدافه، أما بالنسبة للأطفال المكفوفين فإن الجسم يكون هو المحور والمركز الذي تخرج منه الطاقة وتتجه إليه، أي أن الجسم هنا يلعب دور الفاعل والمفعول، وأدوات اللعب بالنسبة للأطفال المكفوفين تكون مجرد وسيلة لاستثارة أحاسيس جسمية بالمص أوالعض أو الاهتزاز أو الأرجحة أو الدوران حول الجسم.
إضافة إلى كل ذلك فإن لعب الأطفال المكفوفين يتميز بأنه فقير للغاية في محتواه تغيب فيه عمليات التقليد والإحيائية ولعب الأدوار واللعب الإيهامي الرمزي وتمثل الأدوار الاجتماعية وهو ما يتميز به لعب الأطفال المبصرين في مرحلة ما قبل المدرسة. - خصائص لعب الأطفال ذوي الإعاقة العقلية (50 ـ 70):
استند كاتب هذا المقال على نتائج الدراسة التي أجراها لخصائص لعب الأطفال ذوي الإعاقة العقلية (50 ـ 70) ولعب الأطفال متعددي الإعاقة (إعاقة عقلية وصمم).
لعل أكثر الأمور أهمية في هذا السياق هو ذلك التشابه النسبي بين خصائص لعب الأطفال المكفوفين ولعب الأطفال ذوي الإعاقة العقلية، وهو ما يرجع بشكل مباشر إلى وجود الإعاقة في حد ذاتها بغض النظر عن نوع هذه الإعاقة، إضافة إلى تشابه تكوين نفس الاتجاهات الوالدية نحو الإعاقة، الأمر الذي جعل لعب الأطفال ذوي الإعاقة العقلية يتسم باستجابات حركية وانفعالية حادة للغاية وتتمثل في: القفز، الاهتزاز، تجميع الألعاب، خبط الرأس، التصفيق، الرقص. وجميع هذه الاستجابات الحركية كانت بدون هدف أو مضمون، فضلاً عن كونها استجابات انفعالية نظراً لما تتسم به من حدة في الأداء ونمطية تكرارية يمكن أن توصف في بعض الأحيان بعدم قدرة الطفل على التوقف عنها.كذلك نجد أن لعب الأطفال ذوي الإعاقة العقلية يتسم بالالتصاق بطريقة لعب واحدة وبمرحلة عمرية واحدة، هي مرحلة اللعب الحسي الحركي وانحصار اللعب في اللعب الفردي وأقصى ما يصل إليه الأطفال ذوو الإعاقة العقلية هو اللعب المتوازي، وغياب العمليات العقلية العليا فى اللعب القائمة على استخدام الرمز والدخول إلى عالم اللعب الجماعي والتعاوني.وجدير بالذكر في هذا السياق الإشارة إلى أننا نستطيع أن نصف لعب الأطفال المكفوفين وكذلك لعب الأطفال ذوي الإعاقة العقلية بأنهم دائما مستغرقين في حالة حركة أكثر من كونهم في حالة لعب، وذلك لأن هذه الحركة سابقة على موقف اللعب وتالية عليه وترتبط بالإعاقة أكثر من ارتباطها بموقف اللعب. - خصائص لعب الأطفال المبتكرين :
الحديث عن الأطفال المبتكرين هو في جوهره حديث عن أعلى درجات الأداء الفائق والقدرات العقلية العليا والقدرة على توظيف المهارات وتفعيلها على نحو فارق كماً وكيفاً، فالطفل المبتكر يتحرك مثله مثل الطفل العادي ولكن نوعية الحركة تختلف، بمعنى أن هناك تفوق واضح للأطفال المبتكرين في الاستجابات الحركية في اللعب الخاصة بالعضلات الصغرى (الدقيقة) تلك التي تتطلب مهارة ودقه في عمليات التآزر المختلفة وهو ما يبدو واضحاً في الرسم والتلوين والأعمال التشكيلية وعمليات القص واللصق واللضم، فحركة الأطفال المبتكرين بصورة عامة تتسم بالتنوع والتعدد والإتقان المهاري، إضافة إلى بعد المعنى في الحركة، حيث الحركة دائماً هادفة وتؤدي وظيفة.
فاستجابات الأطفال المبتكرين في اللعب اتسمت بابتكار ألعاب جديدة وغير مألوفة وتناولها بطرق متعددة، إضافة إلى القدرة على خلق شخصيات ومواقف وأحداث جديدة وهو نتاج طبيعي لتفعيلات القدرة الابتكارية من حيث الإتيان بجديد في الفكرة واللعبة والحركة والفعل، إضافة إلى الاستغراق في الخيال والقدرة على توظيفه في قالب من الاستقلالية التي تعتمد على النفس ولا تعتمد على الآخرين.
وتتمثل أكثر الألعاب إثارة للقدرة الابتكارية في الألعاب التشكيلية بمختلف الخامات والأدوات اللازمة لها، وألعاب الحل والتركيب (البازل) وألعاب البناء (المكعبات) والألعاب التعليمية والحركية وأخيراً الألعاب الفنية والدرامية وذلك على هذا النحو التتابعي.وأخيراً فإن لعب الأطفال المبتكرين يعكس أعلى درجات الثراء في المحتوى من حيث توظيف القدرات العقلية وتجلت كافة أشكال اللعب الرمزي والإيهامي وتمثل الأدوار الاجتماعية والإحيائية والقدرة المطلقة إضافة إلى المقدار الهائل من الطلاقة والمرونة والآصالة والتلقائية والحيوية وحب المغامرة المتدفقة والاهتمامات المتنوعة وأخيراً المثابرة.وهكذا نجد أن اللعب هو الوسيلة التي يتقبلها الواقع لتعبير الطفل عن انفعالاته ومشاعره ومخاوفه ورغباته وصراعاته وذلك حينما يلعبها داخل موقف اللعب أما إذا عبر عنها خارج هذا الإطار فإنه يمكن الحكم عليها باعتبارها اضطرابات سلوكية.
























