بقلم/ زينب أحمد حسين ، مشرف أكاديمي في مدرسة وروضة الأمل للصم
في عصر السرعة، حيث تتنافس المعلومات والمهارات على جذب انتباه أبنائنا، حيث تتسابق التقنيات وتتغير المهارات بوتيرة مذهلة، لم يعد النجاح حِكراً على من يمتلكون الشهادات العليا فحسب، بل بات رهيناً بمن يمتلكون الشغف.
الشغف ليس مجرد هواية أو اهتمام عابر، بل هو القوة الدافعة الكامنة التي تشعل الفضول و تغذي الإبداع، والوقود الحقيقي الذي يدفع أبناءنا نحو الإتقان والتميزوالابتكار. فكيف لنا كآباء ومربين ومعلمين أن نكتشف هذا الشغف الكامن في نفوس أبنائنا، وننمّيه ليصبح قوة دافعة في حياتهم؟
إن الشغف هو شجرة العمر التي علينا أن نزرعها ونرعاها، وسوف نحصد ثمارها التي لاتذبل ولا تجف، بل هي يانعة دائماً مع أبنائنا في مستقبلهم.
بذور الشغف: الملاحظة والبيئة الغنية
البداية تكمن في الملاحظة الدقيقة والاستماع الواعي. غالباً ما تظهر بذور الشغف في الأنشطة التي يميل إليها الأطفال بشكل طبيعي دون إكراه. قد يكون ذلك في شغفهم بالرسم، أو اهتمامهم بالحيوانات، أو حبهم للقصص، أو حتى فضولهم حول كيفية عمل الأشياء.
وهذا لا يقتصر فقط على الأطفال، بل يشمل أبناءنا في مراحلهم العمرية المختلفة، فهُم لديهم شغف، منهم من ساعده الذي اكتشف بذرة شغفه، ومنهم من ينتظر!
مهمتنا الأولى كآباء ومعلمين أن نوفر لهم بيئة غنية بالمحفزات التي تسمح لهذه الاهتمامات بالظهور. لا ينبغي أن نملي عليهم ما يجب أن يحبوه، بل أن نكون ملاحظين يقظين، وأن نقدم لهم مجموعة واسعة من الفرص، والأدوات والخبرات، الكتب المتنوعة، المواد الفنية، ألعاب البناء، زيارات المتاحف والمعارض، والألعاب التعليمية، الرحلات الاستكشافية والأنشطة اللامنهجية ، أومجرد السماح لهم بالتجول بحرية في الطبيعة.
اسمحوا لهم بتجربة الفشل والنجاح، فمن خلال ذلك يكتشفون ميولهم الحقيقية.
تذكروا مقولة ألبرت آينشتاين: “ليس لدي أي موهبة خاصة، أنا فضولي فحسب.”
الفضول هو بوابة الشغف
الدليل الواقعي: لاحظتُ من خلال عملي كمعلّمة ثمّ كمشرف أكاديمي أن الطلبة – سواء من هم في المراحل الأولى أو من هم في مراحل التعليم العليا – الذين يتمتعون ببيئة غنية بالمحفزات والفرص لاستكشاف اهتماماتهم يميلون إلى تطوير شغف أعمق في مجالات معينة.
إنّ الطلاب الذين يشاركون في أنشطة خارج المنهج بناءً على اهتماماتهم الشخصية، مثل أنشطة الحاسوب أو الفنون أو الكتابة الإبداعية أو يقومون بعمل تجارب علمية بأيديهم يظهرون مستويات أعلى من الإبداع وحل المشكلات.
سقاية الشغف: التشجيع والدعم المستمر
بمجرد أن نلمح بوادر الاهتمام ، يأتي دور التشجيع والدعم الفعّال. هنا، لا يكفي مجرد القول “أحسنت”، بل يجب أن يكون الدعم ملموساً ومتواصلاً.
هل يظهر شغفاً بالموسيقى؟ أنت كأب وفّر له آلة موسيقية بسيطة، أنت كمعلّم درّبه، اجعله يشارك في عزف السلام الوطني صباحاً.
هل يحب البرمجة؟ كأب وفّر له أدوات تعليمية مناسبة ، كمعلّم شجّعه على المشاركة في ورش عمل، اطلب منه أن يبحث عن برنامج تعليمي، ويعلّمه لزملائه .
المهم أن نوضح لهم أننا نؤمن بقدراتهم ونقدّر جهودهم، حتى وإن كانت النتائج الأولية متواضعة. فالرحلة نحو إتقان أي مهارة طويلة وتتطلب صبراً وتشجيعاً.
ثمار الشغف: التمكين والإلهام
الشغف الحقيقي لا يتوقف عند كونه مجرد هواية، بل يصبح جزءاً لا يتجزأ من هوية الفرد، ودافعاً له لتحقيق أهداف كبرى. إنه يمنح أبناءنا شعوراً بالهدف، ويساهم في بناء ثقتهم بأنفسهم، ويجهزهم لمواجهة تحديات المستقبل بمرونة وإبداع.
ولعلّنا هنا نتذكر العلماء والمبدعين والمبتكرين . لم تكن أبحاثهم وإبدعاتهم إلا شغفاً يدفعهم نحو أعمال خلدتهم في التاريخ.
وهنا نقول: أبناؤنا ليسوا مجرد أوعية نملؤها بالمعلومات، بل هم كائنات فريدة تحمل في داخلها إمكانات غير محدودة. مهمتنا الأسمى هي أن نكون ذلك المزارع الذكي الذي يرعى هذه البذور، ويوفر لها التربة الخصبة والماء النقي وضوء الشمس لتنمو وتزهر.
لنستمع إليهم بقلوب منفتحة، ولندعمهم بلا حدود، ولنحتفل بكل خطوة يخطونها في رحلة اكتشاف شغفهم. ففي هذا الشغف يكمن مفتاح سعادتهم، وتميزهم، وقدرتهم على بناء مستقبل أكثر إشراقاً لأنفسهم وللعالم من حولهم.
تصل لأذني بعض الهمسات تقول : لقد فعلت كل هذا ومع ذلك لا أجد هذا الشغف لديهم ، وهنا تعلو الأصوات لنتساءل جميعاً:
لماذا فقد أبناؤنا الشغف؟
تساؤل “لماذا فقد أبناؤنا الشغف؟” يحمل في طياته الكثير من التعقيدات، وهو يعكس ظاهرة منتشرة في مجتمعاتنا الحديثة. يمكننا أن نربط هذا الفقدان بعدة عوامل متداخلة، تتراوح بين الضغوط المجتمعية والتعليمية، والتغيرات في أساليب التربية، وصولاً إلى تأثيرات التكنولوجيا الحديثة.
1. الضغوط الأكاديمية والمبالغة في التوجيه:
أحد أهم الأسباب يكمن في التركيز المفرط على الإنجاز الأكاديمي والدرجات على حساب الاهتمامات الشخصية. يشعر العديد من الأبناء بضغوطٍ هائلة لتحقيق المُعدلات المرتفعة، والالتحاق بأفضل الجامعات، واختيار تخصصات “مضمونة” في سوق العمل، بغضّ النظر عن ميولهم الحقيقية.
- ضغط الأهل والمجتمع: غالباً ما يفرض الأهل والمجتمع مسارات محددة للنجاح، ممّا يحدّ من فرص استكشاف الأطفال لمواهبهم وشغفهم. ( أريدك مهندساً مشهوراً مثل فلان – الطبيب له مكانة مرموقة في المجتمع…)
- النظام التعليمي التقليدي: العديد من الأنظمة التعليمية لا تزال تركز على الحفظ والتلقين والتقييم الكمّي. هذا الأسلوب لا يفسح مجالاً كبيراً للإبداع، أو التفكير النقدي، أو الاكتشاف الذاتي، وهي كلها عناصر أساسية لنمو الشغف. عندما لا يرى الطفل معنىً حقيقياً لما يتعلمه أو لا يربطه باهتماماته، يفقد الحافز( كم من مرة يسألنا الطلبة لماذا نتعلم هذه المادة ولن تنفعنا بعد التخرج).
- الخوف من الفشل: وهو ما يجعل بعض الآباء يميلون إلى التدخل المفرط في كل تفاصيل حياة أبنائهم. هذا يمنع الأطفال من خوض تجاربهم الخاصة، وارتكاب الأخطاء، والتعلم منها، ومن هنا يصبح الاعتماد على الآخرين سمة غالبة على الطفل بالإضافة إلى انخفاض الثقة بالنفس، وزيادة القلق.
2. عصر التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي:
إن الاستخدام المفرط لها، وخصوصاً وسائل التواصل الاجتماعي والألعاب الإلكترونية، يمكن أن يساهم بشكل كبير في فقدان الشغف.
- لقد أصبحت التكنولوجيا وسيلة للتعلم والترفيه السريع وهو ما جعل الأنشطة التي تتطلب جهدًا وصبرًا (مثل تعلم آلة موسيقية أو ممارسة رياضة تتطلب تدريباً مكثفاً) تبدو مملّة وبطيئة النتائج.
لقد اعتاد أبناؤنا على المكافآت السريعة، مما يقلل من قدرتهم على المثابرة لتحقيق أهداف طويلة الأمد ترتبط بالشغف الحقيقي.
- التشتت وقلة التركيز: وفرة المعلومات والمشتتات الرقمية تؤثر على قدرة الأطفال والمراهقين على التركيز لفترات طويلة. بينما تنمية الشغف تتطلب التعمق في النشاط، وهو ما يصعب تحقيقه في ظل التشتت المستمر.
3. غياب النماذج الإيجابية والدعم: “الوحدة في الاهتمامات”
يلعب الوالدان والمربون دوراً حاسماً في تنمية الشغف. عندما يكون هناك نقص في الدعم أو غياب للقدوة، يتأثر شغف الأبناء.
- غياب القدوة: إذا لم ير الأبناء آباءهم أو معلميهم يمارسون شغفهم الخاص أو يظهرون حماساً للتعلم والاكتشاف، فقد لا يدركون أهمية الشغف في الحياة. فالأفعال تتحدث بصوت أعلى من الكلمات.
- عدم الاعتراف بالجهد: التركيز فقط على النتائج النهائية، بدلاً من الاحتفال بالجهد المبذول وعملية التعلم نفسها، يمكن أن يثبط الهمم. عندما يشعر الطفل أن جهوده لا تُقدَّر إلا إذا أدت إلى “نجاح” محدد، فإنه يفقد الرغبة في مواصلة ما يحبه.
- قلة فرص الاستكشاف: في بعض الأسر، قد تكون الموارد أو الفرص محدودة، مما يقلّل من تعرض الأبناء لأنشطة متنوعة تمكنهم من اكتشاف ميولهم.
كيف نستعيدُ شغفَ أبنائنا المفقود؟
بعد أن فهمنا الأسباب الكامنة وراء فقدان الشغف، يصبح السؤال الأهم هو: كيف يمكننا كآباء ومعلمين ومجتمع أن نعيد إحياء الشغف في نفوس أبنائنا؟
إن استعادة الشغف في نفوس أبنائنا رحلة تتطلب الصبر والتفهم والالتزام من جميع الأطراف.
1. احتضان الفضول وتشجيع الاستكشاف: “افتحوا الأبواب لا تضعوا الحواجز”
- وفروا بيئة غنية: قدموا لهم مجموعة واسعة من الأنشطة والخبرات، دون فرض أو توجيه مسبق. دعوهم يختارون ما يثير اهتمامهم. يمكن أن يشمل ذلك الكتب، الألعاب التعليمية، أدوات الفنون، أدوات البناء، زيارات للمتاحف، الحدائق، والمواقع التاريخية.
- اطرحوا الأسئلة، لا تعطوا الإجابات: بدلاً من إخبارهم بما يجب أن يفكروا فيه، شجعوهم على طرح الأسئلة والبحث عن إجاباتهم الخاصة. استخدموا عبارات مثل: “ماذا يثير فضولك حول هذا؟” أو “كيف تعتقد أن هذا يعمل؟” إن ذلك يعزز التفكير النقدي ويشجع على التعلم الذاتي.
- وفروا الوقت والمساحة: في عالمنا المزدحم، غالبًا ما نجدولُ كلّ دقيقة في حياة أبنائنا. اسمحوا لهم بوقت فراغ غير مُنظم “وقت الملل”، فهو غالبًا ما يكون شرارة الإبداع والاكتشاف الذاتي. دعوهم يكتشفون الأنشطة التي يفضلونها بشكل طبيعي.
2. دعم الجهد والمثابرة لا النتائج فقط: “الرحلة أهم من الوجهة”
- احتفلوا بالجهد لا بالنجاح: عندما يبذل الطفل/الطالب جهدًا في مشروع ما، حتى وإن لم تكن النتيجة مثالية، اشكره على مثابرته وعمله الجاد. امدح عمله أمام إخوته/ زملائه، قل له: “أنا فخور بالجهد الذي بذلته في هذا، لقد تعلمت الكثير”. من خلال ذلك يتعلم أن القيمة تكمن في عملية التعلم والنمو.
- شجعوا على التجربة والفشل: علموا أبناءكم/ طلابكم أن الفشل ليس نهاية المطاف، بل هو فرصة للتعلم والنمو. شاركوهم قصصاً عن شخصيات ناجحة فشلت مراراً قبل تحقيق أهدافها.
3. بناء المرونة ومواجهة تحديات العصر الرقمي: “الوعي هو البداية”
- تعليم محو الأمية الرقمية: علموا أبناءكم كيفية استخدام التكنولوجيا بمسؤولية ووعي. ناقشوا معهم مخاطر المقارنات الاجتماعية على وسائل التواصل، وشجعوهم على التركيز على رحلاتهم الشخصية بدلاً من متابعة “الكمال” الزائف للآخرين.
- تحديد أوقات الشاشات: وضع حدود واضحة ومعقولة لاستخدام الأجهزة الرقمية، وتشجيعهم على الانخراط في أنشطة خارج الشاشات.
- كونوا قدوة حسنة: أبناؤنا يقلدوننا. إذا كنتم تستخدمون هواتفكم باستمرار أو تشكون من الملل، فمن المرجح أن يفعلوا الشيء نفسه. أظهروا لهم شغفكم الخاص، سواء كان ذلك بالقراءة، أو الرياضة، أو أي نشاط آخر تستمتعون به.
- عزّزوا الروابط الأسرية: قضاء وقت ممتع معاً كعائلة في أنشطة غير مرتبطة بالشاشات (مثل الألعاب اللوحية، المشي في الطبيعة، الطهي معاً) يُعزِّز العلاقات ويمنح الأطفال شعوراً بالأمان والدعم الذي يشجعهم على استكشاف شغفهم.
أدوار إضافية في استعادة الشغف:
بالإضافة إلى دور الأسرة، تلعب المدرسة دوراً حيوياً في تشكيل شغف الطلبة.
دور المدرسة والمعلمين:
المدرسة ليست مجرد مكان لتلقي المعلومات، بل هي بيئة يمكن أن تغذّي الشغف أو تقتله.
- التعليم القائم على المشاريع: بدلاً من الحفظ والتلقين، يمكن للمدارس تبنّي مناهج تركز على المشاريع التي تسمح للطلاب بالتعمق في مواضيع تهمهم. على سبيل المثال، بدلاً من مجرد دراسة التاريخ، يمكن للطلاب تصميم مشروع بحثي حول حضارة قديمة تثير فضولهم، أو إنشاء نموذج لمدينة تاريخية. هذا يعزز التعلم النشط ويجعل المعرفة أكثر ارتباطاً بالواقع.
- الأنشطة اللاصفية المتنوعة: توفير مجموعة واسعة من الأندية والأنشطة اللامنهجية (مثل أندية الروبوتات، الفنون، الموسيقى، المناظرات، العلوم البيئية) يمنح الطلاب فرصاً لاستكشاف اهتماماتهم خارج نطاق المناهج الدراسية التقليدية. هذه الأنشطة غالباً ما تكون البوابة لاكتشاف الشغف الحقيقي.
- المعلم الملهم: المعلم الذي يمتلك شغفاً بمادته وقدرة على نقل هذا الشغف إلى طلابه يمكن أن يحدث فرقًا هائلاً. المعلم الذي يشجع على الفضول، ويحتفي بالأسئلة، ويقدم الدعم الفردي، هو مفتاح لإيقاظ الشغف في نفوس الطلاب.
- المرونة في المناهج: يجب أن تسعى المدارس إلى توفير بعض المرونة في المناهج الدراسية، ممّا يسمح للطلاب باختيار بعض المواد أو المشاريع التي تتوافق مع اهتماماتهم، حتى وإن كانت خارج المسار التقليدي.
أخيراً وليس آخراً، ينمو الشغف ويتجذّر عندما يرى الأبناء أن جهودهم تؤتي ثمارها، وعندما يشعرون بمتعة الإنجاز، وعندما يدركون أن ما يحبونه يمكن أن يصبح جزءاً أصيلًا من هويتهم ومستقبلهم.
أن نساعد أبناءنا على اكتشاف شغفهم وتنميته ليس استثماراً في مستقبلهم المهني فقط، بل هو استثمار في سعادتهم وصحتهم النفسية وقدرتهم على عيش حياة ذات معنى وهدف.
فـلنعمل معاً كآباء ومعلمين ومجتمع، لنكن الأيدي التي ترعى هذه البذور والرياح التي تدفع هذه الشغف؛ ليزهر في نفوسهم إبداعاً وابتكاراً يضيء دروبهم ودروب مجتمعاتهم.
























