إعداد/أسامة مدبولي- خبير واستشاري بالتربية الخاصة، ومدير مركز معاً للتربية الخاصة
لطالما ساد الاعتقاد بأن اضطراب طيف التوحد هو اضطراب يطال الذكور بشكل رئيسي، لكن الأبحاث الحديثة أحدثت تحولًا جذرياً في هذا المفهوم، فقد أثبتت أن النساء والفتيات يمكن أن يكن مصابات باضطراب طيف التوحد أيضاً، بل وغالباً ما تُشخص حالاتهن بشكل خاطئ أو متأخر، ويعود ذلك إلى الاختلافات الدقيقة في طريقة ظهور الأعراض لديهن، فضلًا عن العوامل الاجتماعية والبيولوجية المعقدة، يسلط هذا المقال الضوء على اضطراب طيف التوحد عند النساء، أعراضه الفريدة، تحديات التشخيص، وأهمية الدعم والتأهيل لتحسين جودة حياتهن.
اضطراب طيف التوحد والفجوة بين الجنسين: لماذا يظل “التوحد” مخفياً لدى النساء؟
تشير الدراسات والإحصاءات العالمية إلى أن نسبة انتشار اضطراب طيف التوحد بين الذكور أعلى بكثير منها بين الإناث، بمعدل يصل إلى أربعة ذكور مقابل كل أنثى واحدة، هذه الفجوة المثيرة للتساؤل لا تعني بالضرورة أن الإناث أقل عرضة للإصابة، بل يُعتقد أنها تعود جزئياً إلى صعوبة اكتشاف اضطراب طيف التوحد عند الإناث أو قدرتهن الفائقة على “التمويه”!! أو إخفاء اختلاف أساليبهن الاجتماعية.
هذه القدرة على التمويه، وإن كانت تساعدهن على الاندماج الاجتماعي، إلا أنها تأتي على حساب صحتهن النفسية وتقدير الذات، مما يؤدي إلى مستويات أعلى من القلق والاكتئاب، إن عدم حصولهن على التشخيص الصحيح يتركهن يعانين بصمت، مما يزيد من معاناتهن وصعوباتهن في الحياة اليومية، وقد يصل الأمر إلى ارتفاع معدلات إيذاء النفس بين النساء المصابات باضطراب طيف التوحد غير المُشخّصات، لذا، فإن فهم هذه الاختلافات والتشخيص الدقيق لهما دور حيوي في تمكين هؤلاء النساء من الحصول على الدعم والموارد التي يحتجنها لتحقيق حياة أفضل.
علامات رئيسية لاضطراب طيف التوحد عند النساء والفتيات: فهم الأعراض الفريدة
قد تظهر أعراض اضطراب طيف التوحد عند النساء والفتيات بطرق مختلفة عن الرجال، وغالباً ما تكون أقل وضوحاً أو تُفسر بشكل خاطئ، مما يجعل عملية التشخيص أكثر تعقيداً. إليك أبرز العلامات التي قد تشير إلى وجود اضطراب طيف التوحد:
الصعوبات الاجتماعية: على الرغم من رغبتهن في التواصل، قد تجد النساء ذوات اضطراب طيف التوحد صعوبة في فهم الإشارات الاجتماعية غير اللفظية والاستجابة لها، قد يفضلن التفاعل مع شخص واحد على التجمعات الكبيرة التي تشعرهن بالإرهاق، ويعانين من قلق اجتماعي مرتفع.
حساسية الحواس: العديد من النساء ذوات اضطراب طيف التوحد لديهن حساسية شديدة تجاه المحفزات الحسية مثل الأصوات العالية، الأضواء الساطعة، الروائح القوية، أو لمس بعض الأقمشة، هذه الحساسية قد تتجاوز مجرد الكراهية لتصل إلى عدم القدرة على تحملها على الإطلاق، مما يؤثر في قدرتهن على التواجد في أماكن معينة أو النوم بشكل مريح.
مشكلات الوظائف التنفيذية: تواجه الكثير من النساء ذوات اضطراب طيف التوحد صعوبة في تنظيم المهام اليومية، التفكير المرن، والتحكم في الذات، قد يشمل ذلك صعوبة في الحفاظ على نظافة المنزل، الالتزام بالعادات الصحية، أو إتمام المهام الروتينية البسيطة.
اهتمامات شديدة ومتخصصة: تميل النساء ذوات اضطراب طيف التوحد إلى امتلاك اهتمامات عميقة ومتخصصة في مجالات معينة، قد تركز هذه الاهتمامات على مواضيع مثل علم النفس، فهم الدماغ البشري، أو التركيز الشديد على علاقات معينة (شخصيات مشهورة، شركاء عاطفيين)، كثيرات منهن باحثات ذوات كفاءة عالية وينجذبن للمهن أو الهوايات التي تتطلب مستوىً عالٍ من التركيز.
الانهيارات العاطفية وصعوبة ضبط المشاعر: تواجه العديد من النساء ذوات اضطراب طيف التوحد صعوبة في تنظيم مشاعرهن، مما يؤدي إلى ردود فعل عاطفية شديدة وغير متناسبة مع الموقف، مثل نوبات غضب، بكاء شديد، أو الانسحاب التام، يعزى ذلك غالباً إلى ضعف التواصل بين المراكز العاطفية والمنطقية في الدماغ.
صعوبات النوم: تنتشر مشكلات النوم بين النساء ذوات اضطراب طيف التوحد، وترتبط غالباً بحساسية الحواس لديهن، مثل الحساسية العالية للضوضاء ليلًا، وصعوبة الشعور بالراحة، خاصة عند وجود شخص آخر في الغرفة.
صعوبات التواصل البصري: على الرغم من أن النساء قد يتعلمن إجبار أنفسهن على التواصل البصري بمرور الوقت ليبدون طبيعيات، إلا أن هذا التواصل قد يظل غير مريح وغير طبيعي بالنسبة إليهن.
السلوكيات المتكررة: هي سلوكيات متكررة يمارسها الأشخاص ذوو اضطراب طيف التوحد لضبط النفس أو التعامل مع التحفيز الحسي، بينما قد تكون بعض هذه السلوكيات واضحة مثل “الهز” أو خبط اليدين، فإن النساء قد يظهرن سلوكيات “تمويهية” أكثر مثل وخز الجلد، فرك القدمين، أو لف الشعر، وقد لا يكن واعيات لها.
القلق والاكتئاب والإدمان: نظراً للصعوبات الجمة التي تواجهها النساء من ذوات اضطراب طيف التوحد بسبب الضغوط المرتبطة بالتمويه والصعوبات اليومية، فمن الشائع أن يواجهن مشكلات نفسية مثل القلق، الاكتئاب، أو حتى الإدمان، لديهن أيضًا نسبة “إيذاء نفس” أعلى بكثير من المعدل المتوسط، ويُعتقد أن ذلك يرتبط بدرجة الإخفاء أو التمويه التي يمارسنها.
اضطراب طيف التوحد عند الإناث: التشخيص المتأخر وعوامل التأخير
غالباً ما تبدو أعراض اضطراب طيف التوحد “شديدة جدًا” عند تشخيص الإناث، وهناك عدة أسباب علمية واجتماعية تفسر ذلك:
صعوبة التشخيص المبكر والتمويه: تمتلك الإناث ذوات اضطراب طيف التوحد قدرة أكبر على إخفاء أو تمويه الأعراض مقارنة بالذكور، مما يؤدي إلى تأخر التشخيص أو تشخيصهن بشكل خاطئ، ويحرمهن من الدعم والرعاية المبكرة.
اختلاف التعبير عن الأعراض: على الرغم من تشابه الأعراض الأساسية، تظهر الفتيات غالباً صعوبات أكبر في التفاعل الاجتماعي، وقدرة أقل على التكيف، ومشكلات عاطفية ومعرفية ولغوية أعمق، كما أن لديهن ميولًا أكبر نحو التصرف العدواني أو المعاناة من الاكتئاب والقلق.
معايير التشخيص الموجهة للذكور: الكثير من معايير تشخيص اضطراب طيف التوحد تم تطويرها بناءً على دراسات الذكور، ما يجعل بعض مظاهر “التوحد” عند الإناث أقل وضوحًا أو مختلفة، وبالتالي لا تُكتشف إلا في الحالات الشديدة أو عندما تتفاقم الأعراض.
الضغوط الاجتماعية والتوقعات: تواجه الإناث ضغوطاً اجتماعية أكبر للاندماج والتكيف، مما يدفعهن لبذل جهد مضاعف لإخفاء الأعراض، ومع مرور الوقت، قد يؤدي هذا الجهد إلى انهيارات نفسية أو تفاقم المشكلات العاطفية، فتظهر الأعراض بشكل أكثر حدة عند التشخيص.
رحلة العلاج والتأهيل: نحو حياة أفضل
يعتبر التعامل مع اضطراب طيف التوحد عند النساء والفتيات أمراً حيوياً لتحسين جودة حياتهن وتعزيز اندماجهن في المجتمع، يتطلب ذلك فهماً عميقاً لاحتياجاتهن الفردية وتحدياتهن، يضمن التشخيص الصحيح حصول المصابات على الدعم المناسب والوصول إلى الموارد المتاحة.
تشمل طرق العلاج والتأهيل الشائعة:
العلاج السلوكي التطبيقي (ABA): يهدف إلى تعزيز السلوكيات الإيجابية وتقليل السلوكيات غير المرغوبة.
العلاج النطقي: لتحسين مهارات اللغة والتواصل اللفظي.
العلاج بالمهارات الاجتماعية: لتعليم كيفية التفاعل مع الآخرين وفهم قواعد السلوك الاجتماعي.
العلاج الوظيفي: لتحسين المهارات الحركية، الحسية، والقدرة على أداء المهام اليومية.
العلاجات التنموية: تستهدف تطوير القدرات والمهارات الشخصية.
الأدوية: لمعالجة أعراض معينة مصاحبة لاضطراب طيف التوحد مثل القلق أو الاكتئاب، أو نوبات الصرع.
التدخلات الغذائية: قد تساعد بعض النظم الغذائية الخاصة في تحسين الأعراض لدى بعض النساء.
اضطراب طيف التوحد في سن المراهقة: دعم مخصص لمرحلة حرجة
تظهر تحديات إضافية للفتيات ذوات اضطراب طيف التوحد في فترة المراهقة مع تغير احتياجاتهن الاجتماعية والتعليمية، يصبح تعديل السلوك أمراً حيوياً في هذه المرحلة لتعزيز استقلاليتهن وتطوير مهارات التفاعل الاجتماعي، يمكن لتقنيات التعديل السلوكي والمساعدة الاجتماعية أن تلعب دوراً كبيرًا في توجيه المراهقات نحو تحسين سلوكياتهن وقدراتهن على التكيف.
نصائح للتعامل مع اضطراب طيف التوحد عند الفتيات المراهقات:
الفهم والتوعية: على الأهل والمعنيين أن يكونوا على دراية بتفاصيل الحالة ومتطلباتها المتغيرة.
التواصل الفعال: تشجيع التواصل الفعال بجميع أشكاله (لفظي، إشارات، صور).
تقديم الجداول البصرية والروتين: توفير جداول زمنية واضحة ومتوقعة للأنشطة اليومية لتوفير بيئة منظمة ومستقرة.
التفهم والاحترام: التعامل مع المراهقات بالاحترام والتفهم العميق لاحتياجاتهن واختلافاتهن، وتقديم الدعم العاطفي والاجتماعي.
الدعم التعليمي: توفير بيئة تعليمية تتناسب مع احتياجاتهن الخاصة، والاستعانة بمعلمين متخصصين.
تشجيع الاستقلالية: دعم تطوير مهارات الاستقلالية واتخاذ القرارات الصحيحة.
دعم الصحة النفسية: مراعاة الصحة النفسية وتوفير الدعم اللازم لمواجهة أي تحديات نفسية أو عاطفية.
التفاعل الاجتماعي: تشجيع المشاركة في أنشطة اجتماعية آمنة ومناسبة تعزز مهارات التواصل والعلاقات.
التوجيه المهني: في مرحلة البلوغ، توفير الدعم والتوجيه المهني لمساعدتهن في اختيار مسار حياتهن المهني.
الاستماع والتكيف: الاستماع الدائم لاحتياجات المراهقات والتكيف مع تغير اهتماماتهن بمرور الوقت.
أسئلة شائعة حول اضطراب طيف التوحد عند النساء والفتيات
1. ما هي أعراض اضطراب طيف التوحد عند الفتيات؟
تتشابه أعراض اضطراب طيف التوحد عند الفتيات إلى حدٍّ كبير مع الأعراض لدى الذكور، ولكن قد تكون أكثر دقة أو “مموهة”، تشمل عدم الاستجابة لمناداة الاسم، تجنب الاحتضان، صعوبة اتباع التعليمات، صعوبة فهم مشاعر الآخرين، مشكلات عاطفية ومعرفية ولغوية، واهتمامات محددة ومكثفة.
2. ما هو اضطراب طيف التوحد عند النساء؟
اضطراب طيف التوحد عند النساء هو مجموعة من الاضطرابات التطورية التي تؤثر على الإناث، وتتميز بصعوبة في التفاعل الاجتماعي، ومشكلات في التواصل اللفظي وغير اللفظي، وتركيز مفرط على مواضيع معينة، وحساسية للمحفزات الحسية، وصعوبة في التعبير عن المشاعر وفهم مشاعر الآخرين.
3. كيف تعرفين إذا كنتِ من النساء ذوات اضطراب طيف التوحد؟
إذا كنتِ تشكّين بأنكِ من الأشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد، انتبهي لعلامات مثل مقاومة الملامسة، تفضيل قضاء الوقت بمفردك، صعوبة التواصل البصري أو بدء المحادثات، صعوبة التعرف على الإشارات الاجتماعية، والحديث المفرط حول موضوع معين دون مراعاة لتفاعل الآخرين.
4. ما هي علامات اضطراب طيف التوحد لدى الإناث التي يراها الآخرون؟
قد يُنظر إلى الإناث ذوات اضطراب طيف التوحد على أنهن “غريبات الأطوار” أو “يعشن في عالمهن الخاص”، قد يقلدن أو يحاكين كلام وأفعال الآخرين في المواقف الاجتماعية، ولديهن عدد قليل جدًا من الصداقات الوثيقة، وقد يَمِلنَ إلى أن يصبحن شديدات التملك في هذه الصداقات، مما قد يؤدي إلى إنهائها بسرعة.
5. هل يمكن للفتيات ذوات اضطراب طيف التوحد أن يقعن في الحب؟
نعم، يمكن للفتيات ذوات اضطراب طيف التوحد أن يقعن في الحب ويقمن علاقات عاطفية (في إطار الزواج وتعاليم ديننا الحنيف)، على الرغم من بعض التحديات الإضافية المتعلقة بالتواصل والإشارات الاجتماعية، يمكن التغلب عليها من خلال الاحترام المتبادل والاهتمام، بوجود نظام دعم مناسب، يمكن للأفراد ذوي اضطراب طيف التوحد أن يجدوا الحب تماماً مثل الآخرين.
6. هل يمكن للفتيات ذوات اضطراب طيف التوحد التحدث؟
غالبية الأشخاص من ذوي اضطراب طيف التوحد يستخدمون اللغة المنطوقة، ومع ذلك، قد يتواصل بعضهم بشكل أساسي أو فقط من خلال لغة الإشارة أو أجهزة التواصل البديلة.
7. هل اضطراب طيف التوحد وراثي من الأم، أم من الأب؟
يُعتقد بوجود جوانب وراثية لاضطراب طيف التوحد، ولكنها ليست مرتبطة بالضرورة بالأم أو الأب بشكل خاص، تعتمد احتمالية الإصابة باضطراب طيف التوحد على مجموعة من الجينات والعوامل البيئية المتعددة.
8. هل حركات اليد تدل على اضطراب طيف التوحد؟
نعم، حركات اليد المتكررة يمكن أن تكون إحدى العلامات السلوكية التي تشير إلى وجود اضطراب طيف التوحد (وهي جزء من السلوكيات المتكررة)، ومع ذلك، لا بد مِن تقييمٍ مِن قِبل مُحترف في التربية الخاصة لتحديد ما إذا كانت هذه الحركات مرتبطة باضطراب طيف التوحد أو بأسباب أخرى.
9. هل اضطراب طيف التوحد “مرض” عقلي أو نفسي؟
التوحد ليس مرضاً عقلياً أو نفسياً بالمعنى التقليدي، بل هو اضطراب نمو عصبي يؤثر على التفاعل الاجتماعي والاتصال وقدرة الفرد على فهم العالم المحيط به.
10. في أي عمر تبدأ علامات اضطراب طيف التوحد؟
تبدأ علامات اضطراب طيف التوحد في عمرٍ مُبكر، ويمكن أن تظهر خلال الأشهر الأولى من الحياة، ومع ذلك، قد تُكتشف بعض الأعراض البارزة في سنوات ما قبل المدرسة، في بعض الحالات، يتم تشخيص الاضطراب في سنوات متأخرة من الطفولة أو حتى في سنوات المراهقة أو البلوغ، خاصة عند الإناث بسبب عوامل التمويه واختلاف ظهور الأعراض.
ختاماً
إن اضطراب طيف التوحد عند النساء يمثل جانباً مهماً يتطلب المزيد من الوعي والفهم والبحث، من خلال تسليط الضوء على هذه الفروقات الدقيقة، يمكننا أن نخطو خطوات واسعة نحو تشخيص أفضل ودعم أكثر فعالية للنساء والفتيات ذوات اضطراب طيف التوحد، مما يمكنهن من تحقيق إمكاناتهن الكاملة والعيش حياة كريمة ومُرضِيَة، إن فهم “التوحد” كطيف واسع من التجارب، وليس كحالة واحدة، أمر بالغ الأهمية لتحسين جودة حياة جميع الأشخاص من ذوي اضطراب طيف التوحد.
























