في اليوم العالمي للتطوع 5 ديسمبر 2025
إعداد هشام محمد كتامي ، سكرتير تحرير المنال
التطوع والمسؤولية المجتمعية: قيم راسخة تصنع الفرق
يُعدّ التطوع والمسؤولية المجتمعية من أهم الركائز التي تقوم عليها المجتمعات المتقدمة، فهما وجهان لعملة واحدة تجمع بين الإحساس بالواجب الإنساني والرغبة في العطاء، وتعبّران عن وعي الفرد بدوره في بناء مجتمع أكثر تماسكاً وتعاوناً. فحين يبادر الإنسان إلى خدمة الآخرين دون انتظار مقابل، فإنه لا يقدّم وقتاً أو جهدًا فحسب، بل يزرع في بيئته بذور الإيجابية والانتماء، ويُسهم في تحقيق التنمية المستدامة التي تنشدها المجتمعات الحديثة.
التطوع: ثقافة إنسانية وممارسة حضارية
التطوع ليس مجرد عمل وقتي أو مبادرة عابرة، بل هو سلوك حضاري يُعبّر عن رقي الإنسان ووعيه بمسؤوليته تجاه محيطه. وهو في جوهره مشاركة حقيقية في تحسين جودة الحياة وبناء جسور من التعاون بين أفراد المجتمع.
وقد حثّ الدين الإسلامي الحنيف على التطوع والعطاء، وجعل فعل الخير من أعظم أبواب الأجر والثواب، حيث قال الله تعالى: “ومن تطوع خيرًا فإن الله شاكر عليم“. ومن هذا المنطلق، أصبح العمل التطوعي قيمة متجذّرة في الثقافة العربية والإسلامية، تتوارثها الأجيال عبر الزمن.
في العصر الحديث، تطورت مفاهيم التطوع لتشمل مجالات متعددة كالتعليم، والصحة، والبيئة، والعمل الإنساني، وتمكين الشباب، ورعاية الأشخاص ذوي الإعاقة وكبار السن. ومع اتساع هذه المجالات، أصبح التطوع أكثر تنظيماً واحترافية، تقوم عليه مؤسسات وهيئات تُعنى بإدارة المتطوعين وتأهيلهم وتوجيه جهودهم نحو الأثر الإيجابي الأكبر.
المسؤولية المجتمعية: التزام أخلاقي ومؤسسي
أما المسؤولية المجتمعية، فهي الامتداد الطبيعي لمفهوم التطوع على مستوى الأفراد والمؤسسات. وتعني التزام كل فرد أو جهة بالمساهمة الفعالة في خدمة المجتمع، وتحقيق التوازن بين المصالح الاقتصادية والبيئية والاجتماعية. فالمؤسسات الرائدة اليوم لم تعد تُقاس نجاحاتها بالأرباح فقط، بل بمدى تأثيرها الإيجابي في المجتمع ومشاركتها في معالجة التحديات العامة.
تتجلّى المسؤولية المجتمعية في عدة صور، منها: دعم التعليم والبحث العلمي، وتمويل المبادرات البيئية، وتوفير فرص العمل، وتمكين الفئات الضعيفة، والمساهمة في حملات التوعية الصحية والاجتماعية. وتُسهم هذه الجهود في تعزيز العدالة الاجتماعية، وتقليل الفوارق، وبناء مجتمع متوازن يسوده التكافل.
التكامل بين التطوع والمسؤولية المجتمعية
على الرغم من أن التطوع والمسؤولية المجتمعية يبدوان كمفهومين مختلفين، إلا أن بينهما علاقة تكاملية عميقة. فالتطوع يمثل الجانب الإنساني والميداني الذي ينبع من الأفراد، بينما المسؤولية المجتمعية تمثل الإطار المؤسسي والتنظيمي الذي يدعم تلك الجهود ويحوّلها إلى مشاريع مستدامة.
فعندما تفتح المؤسسات أبوابها أمام المتطوعين وتتيح لهم المشاركة في برامجها، فإنها تجمع بين العطاء الفردي والتأثير الجماعي. وحين يتعاون الموظفون على تنفيذ مبادرات اجتماعية باسم مؤسستهم، فإنهم يجسّدون روح الفريق والانتماء إلى وطن يسعى للخير والعطاء.
إن التكامل بين هذين المفهومين يعزز ما يُعرف بـ «المواطنة الفاعلة»، حيث يشعر كل فرد بمسؤوليته تجاه وطنه، ويسهم في تطويره من موقعه، سواء كان موظفاً أو طالباً أو صاحب عمل. ومن هنا يصبح العمل التطوعي رافداً رئيسًا للمسؤولية المجتمعية، ويُسهم في بناء مجتمعات متوازنة قادرة على مواجهة التحديات.
التطوع في دولة الإمارات العربية المتحدة نموذجاً
تمثل دولة الإمارات العربية المتحدة نموذجاً عالمياً رائدًا في مجال التطوع والمسؤولية المجتمعية، إذ أولت القيادة الرشيدة هذا الجانب اهتماماً كبيراً، إيماناً منها بأن بناء الإنسان هو الأساس في بناء الأوطان.
وقد تمّ إطلاق العديد من المبادرات الوطنية التي ترسّخ ثقافة التطوع، مثل «البرنامج الوطني للتطوع»، و«عام الخير»، و«عام التسامح»، و«برنامج الإمارات للتطوع»، إضافة إلى تشجيع مؤسسات القطاعين العام والخاص على تبنّي برامج المسؤولية المجتمعية المؤسسية.
وتجلّت روح التطوع في الإمارات عبر مواقف إنسانية عظيمة، سواء خلال الأزمات العالمية أو في جهود الإغاثة والتنمية المستدامة في مختلف الدول، ما جعلها من أكثر الدول عطاءً على مستوى العالم. كما أسهمت الجامعات والمدارس والمؤسسات الحكومية والخاصة في ترسيخ هذه القيم بين الشباب، عبر دمج التطوع ضمن الأنشطة التعليمية والتدريبية.
نحو مستقبل من العطاء المستدام
إن التطوع والمسؤولية المجتمعية لا ينبغي أن يُنظر إليهما كأعمال خيرية فحسب، بل كـ استثمار في الإنسان والمجتمع، يسهم في تحقيق الرفاه الاجتماعي والاقتصادي والبيئي. فكل ساعة تطوع، وكل مبادرة إنسانية، هي لبنة في بناء مستقبل أكثر استدامة وعدلاً.
ولتحقيق ذلك، لا بد من ترسيخ ثقافة التطوع منذ المراحل الدراسية الأولى، وتشجيع المؤسسات على تبنّي مبادرات مجتمعية ذات أثر ملموس، وتوثيق الجهود التطوعية ضمن منظومة وطنية تُقاس من خلالها مؤشرات الأداء والأثر المجتمعي.
في النهاية، يظل التطوع والمسؤولية المجتمعية تعبيراً عن إنسانيتنا المشتركة، وتجسيدًا لرسالة نبيلة مفادها أن ازدهار المجتمع لا يقوم على القوانين والسياسات فحسب، بل على قلوب نابضة بالعطاء، تؤمن بأن الخير هو الطريق إلى مستقبل أفضل.
المراجع :
المصادر العربية
- وزارة تنمية المجتمع – دولة الإمارات العربية المتحدة. الموقع الرسمي: https://www.mocd.gov.ae
- مؤسسة الإمارات – برنامج الإمارات للتطوع. تقارير سنوية وبرامج وطنية في مجال التطوع وتنمية الشباب. https://emiratesfoundation.ae
- الهلال الأحمر الإماراتي.إصدارات وتقارير عن التطوع الإنساني داخل الدولة وخارجها. https://www.emiratesrc.ae
- البرنامج الوطني للمسؤولية المجتمعية للشركات – وزارة الاقتصاد الإماراتية. https://csr.uae.gov.ae
- منظمة العمل العربية. (2022). التطوع والعمل الأهلي في الوطن العربي: الواقع والتحديات. القاهرة: إدارة التنمية الاجتماعية.
- اليونسكو. (2021). التطوع من أجل التنمية المستدامة – دليل السياسات والبرامج. باريس: منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة.
المصادر الدولية
- United Nations Volunteers (UNV) Programme. (2023).State of the World’s Volunteerism Report 2022. United Nations Development Programme. https://www.unv.org
- World Health Organization (WHO). (2021).Volunteering and Community Engagement for Health. Geneva: WHO Press.
- Carroll, A. B. (2016). Corporate Social Responsibility: Theoretical Perspectives and Practical Approaches. Business & Society, Vol. 55(6), pp. 932–964.
- OECD. (2020).The Role of Corporate Social Responsibility in Inclusive Growth.
Paris: Organisation for Economic Co-operation and Development. - UN Sustainable Development Goals (SDGs) Portal. https://sdgs.un.org
























