بقلم محمد النابلسي
في الثمانينات من القرن الماضي وفي مرحلة طفولتي، كانت باربي نموذجاً لعالم ملون ساحر مبهر، لا يمكن بأي شكل من الأشكال أن يكون حقيقياً. على الرغم من أن ذلك كان يحاكي عالم الكبار بشكل مبهر ورومانسياً، إلا أنه لا يهيأ الأطفال للمستقبل الحقيقي المليء بالإشكاليات الحروب والأزمات الاقتصادية والعاطفية ومختلف الأمراض.
طوال عقود، عاشت «باربي» في فقاعة وردية مغلقة بجسدها المثالي، الملامح النمطية الشقراء، ورسالة صامتة تقول للأطفال إن الجمال قالب واحد لا يُكسر، وأحياناً يُكسر على استحياء بدمية ذات بشرة سوداء، ولكن بملامح غريبة، دمية بلا تعب، بلا اختلاف، بلا أثر إنساني. نموذج مصقول بعناية، لكنه بعيد عن الواقع بقدر ما هو بعيد عن معظم الأطفال الذين يلعبون بها.
وفي السنوات الأخيرة، بدأت شركة «ماتيل» تفكيك الصورة التي صنعتها بنفسها، وقد كتبت مقالاً سابقاً تم نشره في مجلة المنال حول التحول الجديد لمنتجات باربي، والتي بدأت تتغير لا باعتذار مباشر، ولا ببيان أخلاقي، بل عبر المنتج نفسه. فقد ظهرت باربي على كرسي متحرك، ثم بأطراف صناعية، وتتابع المسار ليشمل فقدان السمع والبصر، متلازمة داون، وأخيرًا: مريض السكري، واضطراب طيف التوحّد. وكأن الشركة قررت أن تعيد تعريف السؤال الأساسي: من يحق له أن يكون “طبيعياً”؟
باربي ذات اضطراب طيف التوحّد: التفاصيل ليست زينة
تُعد الدمية الجديدة جزء من مجموعة فاشيونسيتا والتي أطلقتها شركة ماتيل احتفاء بالتنوع البشري، أشكال مختلفة في لون البشرة، وأنسجة الشعر، وأنواع الأجسام، والحالات الصحية، بما في ذلك داء السكري من النوع الأول، ومتلازمة داون، وفقدان البصر.
وقد عملت “ماتيل” مع شبكة المناصرة الذاتية للأشخاص ذوي اضطراب طيف التوحّد لتصميم الدمية الجديدة، التي تهدف إلى تمثيل اضطراب طيف التوحد، وحيث تشكل هذه الفئة ما نسبته نحو طفل واحد من كل 31 طفلاً يُشخّصون بالتوحّد بحلول سن الثامنة في الولايات المتحدة.
اللافت في دمية باربي ذات اضطراب طيف التوحّد ليس مجرد إضافتها إلى مجموعة الدمى، بل العناية الكبيرة بالتفاصيل التي تعكس تجربة العيش مع هذا الطيف العصبي. فقد صُمِّمت الدمية بنظرة تنحرف قليلًا إلى الجانب، في إشارة إلى أن بعض الأشخاص في طيف التوحّد قد يتجنبون التواصل البصري المباشر. كما تتميز مفاصلها بمرونة تسمح بالحركات المتكررة التي يستخدمها بعض الأفراد للتنظيم الحسي، فيما ترتدي فستانًا بنفسجي أنيق وبسيط، واسعًا ومتدفقًا وبأكمام قصيرة، في مراعاة لحساسية اللمس لدى بعض الأشخاص ذوي اضطراب طيف التوحّد الذين يفضلون تقليل ملامسة القماش للجلد.
وتحمل الدمية مجموعة من الأدوات التي تعبّر عن جوانب واقعية من حياة بعض الأشخاص في الطيف؛ فهي تمسك لعبة سبينر دوّارة تساعد على التفريغ الحركي وتهدئة التوتر. والسبينر أداة صغيرة تُمسك بين الأصابع وتدور حول محور في منتصفها مثل مروحة صغيرة، وقد انتشرت عالميًا خلال السنوات الأخيرة، ويستفيد منها بعض الأطفال في تنظيم الانتباه أو تخفيف التوتر من خلال الحركة المتكررة لليدين. كما ترتدي الدمية سماعات رأس عازلة للضوضاء لتقليل التحفيز الحسي الزائد الناتج عن الأصوات المرتفعة. وتحمل كذلك جهازًا لوحيًا يرمز إلى جهاز التواصل المعزّز والبديل (AAC)، وهو نظام يساعد الأشخاص الذين يواجهون صعوبات في النطق أو اللغة على التعبير عن أفكارهم والتواصل مع الآخرين. فبعض الأشخاص في طيف التوحّد قد لا يعتمدون على الكلام المباشر، بل يستخدمون هذه الأجهزة كوسيلة فعّالة للتواصل.
هذه التفاصيل ليست مجرد إكسسوارات تجميلية للدمية، بل عناصر مقصودة تعكس جوانب حقيقية والتقنيات المساندة المستخدمة للأشخاص من ذوي اضطراب طيف التوحد، وتبعث برسالة واضحة مفادها أن التوحّد، رغم كونه إعاقة غير مرئية في كثير من الأحيان، هو طريقة مختلفة للتفاعل مع العالم، وأن تمثيل هذه التجارب في الألعاب يفتح مساحة أوسع للفهم والقبول والاندماج.
اللعب كأداة وعي… لا ترف
الأهمية الحقيقية لهذه الدمى لا تكمن في كونها لفتة إنسانية أو لطيفة، بل في دورها كأداة تعليم غير مباشرة. وتشكيل وعي الطفل الذي يرى نفسه ممثلًا في لعبة، لا يتعلم فقط القبول، بل يكتسب شرعية الوجود. والطفل الآخر، الذي لا يعيش هذه التجربة، يتعلّم التعاطف من دون خطب أخلاقية أو دروس وعظية، فاللعب هنا يتحول إلى تدريب مبكر على العيش المشترك.
وهكذا لا تعود المسألة مجرد دمية جديدة تُضاف إلى رفوف المتاجر، بل تحوّل في الخيال الذي يتشكل في عقول الأطفال. فالألعاب ليست أدوات تسلية بريئة كما نظن، بل مرايا ثقافية تعكس صورة العالم، وتساهم في رسم حدود الانسان وإعادة تعريف كلمة الطبيعي، وادماج الجميع داخل المجتمع، وهل هناك من يبقى خارج الصورة؟ وحين تدخل الإعاقة والاختلاف العصبي والأمراض المزمنة إلى عالم «باربي»، فإن الرسالة تتجاوز حدود اللعبة نفسها، لتقول إن المجتمع الحقيقي ليس شكلاً رومانسياً واحداً، بل فسيفساء واسعة من البشر بقدراتهم واختلافاتهم وتجاربهم المتنوعة. وربما لهذا السبب يحمل هذا التحول دلالة أعمق مما يبدو؛ فحين يتعلم الأطفال منذ اللعب أن العالم يتسع للجميع، يصبح بناء مجتمع أكثر عدلاً واعترافًا بالتنوع احتمالًا أكثر واقعية.
لكن السؤال الذي يبقى بعد كل هذا ليس موجّهًا إلى شركات الألعاب وحدها، بل إلينا نحن أيضًا: ماذا نفعل نحن بهذه الرسالة؟ هل نكتفي بالتصفيق لدمية أكثر تنوعًا، أم نعيد النظر في الطريقة التي نصمم بها مدارسنا ومدننا ومؤسساتنا وثقافتنا اليومية؟ فإذا كانت لعبة صغيرة قادرة على فتح باب الاعتراف بالاختلاف، فالمسؤولية الحقيقية تقع على المجتمع كي يحوّل هذا الاعتراف إلى واقع حي، حيث لا يكون التنوع مجرد فكرة جميلة في صندوق لعبة، بل قيمة حاضرة في الحياة نفسها.






















