بقلم الكاتب مهند العاقوص
mohanned_alakouse@yahoo.com
قبل أن نخوض في موضوع هذه المقالة، يجدر بنا أن نقدم تعريفاً مبسطاً لكل من أدب الطفل والإعاقة من زاوية إبداعية، بعيداً عن التعريفات الأكاديمية الصارمة. فأدب الطفل هو كل ما ينتجه العقل الإبداعي من كلمات ورسوم وألحان وحركات، يستهدف من خلالها الطفلَ والناشئ، ويراعي خصائصه اللغوية والفكرية والنفسية والتربوية، ويخاطبه بما يناسب عالمه واحتياجاته ويحفّز خياله.
أما الإعاقة فهي قصور عضوي أو حسي أو نفسي في أحد أعضاء الجسم أو وظائفه، بما يعيق الفرد عن أداء مهمة واحدة أو أكثر من مهام الحياة الأساسية، دون أن ينتقص ذلك من قيمته أو قدرته على التعلم والتفاعل والمشاركة في المجتمع.
وبعد هذا التمهيد، يبرز سؤال جوهري: كيف نظر أدب الطفل إلى الإعاقة؟
إن أدب الطفل قديم قِدَمَ التاريخ، وقد بدأ شفهياً بهدف التعليم والتربية ونقل القيم. إلا أن الموروث الشعبي لم يكن منصفاً لقضية الإعاقة في كثير من نصوصه، لا عن قصد، وإنما نتيجة الجهل بحساسية الموضوع. فقد ارتبطت الإعاقة في بعض الحكايات الشعبية بالشر أو الخوف أو التشويه الدرامي، من خلال شخصيات مثل “الأعرج” أو “الأعور” أو “المشوّه”، مما أسهم في ترسيخ صور نمطية سلبية في وعي الطفل.
ومع تطور أدب الطفل وظهوره في شكله الورقي المنظم خلال القرن التاسع عشر، بدأ يتبلور كأدب مستقل له خصوصيته، متأثراً بعلم النفس في تقسيم مراحل الطفولة إلى فئات عمرية، ومتفرعاً إلى القصة والشعر والرواية والمسرح والسيناريو. غير أن هذا التطور لم ينعكس مباشرة على تناول قضية الإعاقة، إذ كانت المجتمعات نفسها ما تزال في طور الوعي بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.
وفي العصر الحديث، ومع تصاعد الاهتمام بالقضايا الإنسانية وحقوق الإنسان، واعتبار الدمج والمساواة من أولويات السياسات الوطنية والدولية، بدأ الاهتمام بالإعاقة ينعكس بوضوح في أدب الطفل. وقد أسهمت مؤسسات دولية، مثل المجلس الدولي لكتب الأطفال واليافعين، في دعم هذا التوجه من خلال الجوائز والمبادرات، مما شجع المؤسسات الوطنية والكتاب على تناول هذه القضية بوعي أكبر.
ومن هنا ظهر مصطلح أدب الإعاقة، ويمكن تقسيمه إلى ثلاث فئات…
الفئة الأولى هي الأدب الذي يكتبه مبدعون تناولوا قضايا الإعاقة من منظور خارجي، وتميز بالجودة الفنية، لكنه افتقر أحياناً إلى الفهم العميق لسيكولوجية الأشخاص ذوي الإعاقة. أما الفئة الثانية فهي الأدب الذي كتبه أشخاص من ذوي الإعاقة عن تجاربهم الذاتية، فجاء صادقاً ومُعبّراً، لكنه لم يبلغ دائماً المستوى الفني الذي يضمن انتشاره وتأثيره الواسع. في حين تتمثل الفئة الثالثة في الكتب التي قدمت بوسائط تناسب الأشخاص ذوي الإعاقة، مثل الكتب الصوتية وكتب برايل والرسوم البارزة والمحتوى المرئي المدعوم بلغة الإشارة.
ومع هذا التطور، يُطرح سؤال مهم: هل هناك حقاً أدب للأشخاص ذوي الإعاقة وآخر للأشخاص من غير ذوي الإعاقة؟ إن ما يخدم القضية حقاً هو حضور الأشخاص من ذوي الإعاقة في النصوص الأدبية حضوراً طبيعياً، يشبه وجودهم الحقيقي في المجتمع، دون مبالغة في تصويرهم كأبطال خارقين أو كضحايا يستدرون الشفقة.
كما أن لأدب الطفل دوراً تربوياً مهمّاً في تشكيل وعي الأجيال الجديدة تجاه مفاهيم الاختلاف والتنوع والاحترام. فعندما يقرأ الطفل قصة تتضمن شخصية من ذوي الإعاقة تقدم بصورة متوازنة وإنسانية، فإنه يتعلم تقبّل الآخر والتعامل معه بوصفه شريكاً في الحياة لا حالة استثنائية. وهذا النوع من الأدب يسهم في بناء مجتمع أكثر وعياً وتماسكاً، ويعزز قيم التعاطف والتعاون منذ الصغر.
إن أدب الطفل العربي في نماذجه المعاصرة بدأ يخطو خطوات مهمة في هذا الاتجاه، ساعياً إلى تقديم صورة إنسانية عادلة، ترسّخ قيم التقبل والاحترام، وتسهم في بناء وعي طفل يؤمن بأن الاختلاف فطرة طبيعية في كوكب تشرق فيه الشمس فوق الجميع.
























