تحديات الواقع وآفاق التمكين
ورقة عمل معرفية إعداد : رزان موفق أبو عساف
تتطلب قضايا حماية النساء ذوات الإعاقة نظرة شاملة وعميقة تتجاوز المظاهر الخارجية، فالواقع الذي يعشنه مليء بالتحديات التي تتطلب منا التفهم والاحترام لمتطلباتهن ومناصرة حقوقهن.
العنف القائم على النوع الاجتماعي لا يظهر فقط في أشكاله الظاهرة، بل يتغلغل في تفاصيل الحياة اليومية من سلوكيات خفية وتمييز مستتر، تحتاج مواجهته استراتيجيات متعددة الأبعاد تقوم على تعزيز حقوق الإنسان ورفع الوعي المجتمعي لتعزيز التمكين والعدالة.
وفقاً لتقارير للأمم المتحدة، تتعرض امرأة من بين كل ثلاث نساء في العالم إلى العنف الجسدي و/أو الجنسي خلال حياتها، وتشير التقديرات إلى أن النساء ذوات الإعاقة أكثر تعرضاً لهذه الانتهاكات مقارنة بغيرهن بسبب التمييز والتحديات المتعددة التي يواجهنها (UN Women, 2024)
العنف القائم على النوع الاجتماعي مصطلح عام يشمل أي فعل مؤذٍ يقوم ضد إرادة الشخص ويستند إلى الأدوار المنسوبة اجتماعياً للذكور والإناث. يشمل العنف الجسدي والجنسي والنفسي، إضافة إلى التهديد والإكراه والحرمان من الحقوق، ويحدث في أماكن عامة وخاصة ويشمل أشكالًا كثيرة مثل العنف المنزلي، والتحرش، والاستغلال، والممارسات الثقافية الضارة (IASC, 2017).
يتزايد الاهتمام بحماية النساء من ذوات الإعاقة من العنف القائم على النوع الاجتماعي (GBV)، ويبرز ذلك كقضية مركزية في جهود التنمية المستدامة والمساواة، خصوصاً في المجتمعات العربية. تشير التقديرات إلى أن النساء ذوات الإعاقة معرضات للعنف القائم على النوع الاجتماعي بمعدلات تفوق بكثير معدلات العنف ضد النساء غير ذوات الإعاقة، حيث تزداد فرص تعرضهن لهذا العنف بمعدل يتراوح بين مرتين إلى أربع مرات في بعض السياقات (Women Enabled International, 2021; WHO, 2025).
تعكس هذه الأرقام أهمية التركيز على حماية هذه الفئة من النساء، اللاتي يواجهن تحديات معقدة بسبب التداخل بين تبعات الإعاقة والعنف المبني على النوع الاجتماعي
ليست هذه الظاهرة فقط مسألة أرقام وإحصاءات، بل ترتبط بجذور اجتماعية وثقافية عميقة تتطلب استجابة شاملة وفاعلة. يجب ألا يُنظر إلى النساء ذوات الإعاقة كمجرد ضحايا بل كعناصر فاعلة في المجتمع، والتمكين الحقيقي لا يتحقق إلا عبر توفير فرص متكافئة وحماية حقيقية تراعي خصوصياتهن وتحدياتهن.
واقع العنف ضد النساء من ذوات الإعاقة
لفهم عمق الواقع الذي تعيشه النساء ذوات الإعاقة، من الضروري إدراك حجم العنف وأنواعه المتعددة التي يواجهنها، والتي تفوق في شدتها وتنوعها ما تعانيه النساء في المجتمعات عامة. تشير التقديرات إلى أن النساء ذوات الإعاقة يتعرضن لأنواع مختلفة من العنف، شاملة الجسدي، النفسي، الجنسي، والاقتصادي، مع حرمانهن من حقوق الاستقلالية والاندماج الكامل في المجتمع. وتزداد معاناتهن في بيئات تفتقر إلى آليات إبلاغ ميسرة وتعاني من سيطرة الصور النمطية والمواقف المجتمعية السلبية التي تحد من وصولهن إلى الحماية القانونية والاجتماعية; Women Enabled International, 2021) هيئة تنمية المجتمع بدبي, 2023)
رغم الإدراك المتزايد لهذه المعضلة، ما زالت الكثير من التحديات تعيق الوصول إلى حلول عملية، حيث تتقاطع قضايا نوع الجنس والإعاقة مع عوامل أخرى كالفقر، التهميش، ونقص الموارد، مما يشكل عقبة أمام توفير حماية متكاملة.
العقبات الاجتماعية والمؤسسية
تظل العقبات المجتمعية والمؤسسية حجر عثرة في سبيل حماية النساء ذوات الإعاقة، وتتطلب فهماً دقيقاً وإرادة جماعية لكسرها.
- النظرة التقليدية التي تقلل من كفاءة النساء ذوات الإعاقة وتشجع التبعية والاعتماد (قادر للتنمية المجتمعية, 2018).
- نقص خدمات الدعم والرعاية الشاملة، وضعف تدريب مقدمي الرعاية على سياسات الحماية (Sightsavers, 2024).
- قلة برامج الوقاية والتوعية بحقوق النساء ذوات الإعاقة ونقص البيانات المصنفة
(Women Enabled International, 2021)
تلعب هذه العقبات دوراً رئيسياً في استمرارية دورة العنف، ولا يمكن كسر هذه الحلقة إلا عبر تغيير جذري في الثقافة المجتمعية وتأهيل الأجهزة الحكومية والخدمية لاستجابة شاملة تراعي الفروقات الفردية.
أشكال العنف الخاصة:
لا تقتصر معاناة النساء ذوات الإعاقة على أشكال العنف التقليدية، بل تشمل ممارسات خاصة مثل الإهمال المتعمد، إساءة المعاملة داخل المؤسسات، منع الأجهزة المساعدة أو العلاج، والتحكم في الموارد المالية والشخصية (Women Enabled International, 2021)
هذه الأشكال المتخصصة من العنف تتطلب اهتماماً خاصاً من الجهات المعنية، مع توفير إجراءات وقائية وحماية تستوعب مختلف مظاهر العنف الجديد والمتنوع الذي يواجهه الأشخاص ذوو الإعاقة.
واقع العنف ضد النساء ذوات الإعاقة في الإمارات
تشير بيانات هيئة تنمية المجتمع في دبي إلى أن الفتيات من ذوات الإعاقة الذهنية في دولة الإمارات العربية المتحدة هن الأكثر تعرضاً للعنف والضرب داخل الأسرة، ويُعزى ذلك إلى مفاهيم مغلوطة لدى بعض الأسر التي تعتبر القسوة وسيلة لحمايتهن من الاستغلال أو الاعتداء الخارجي. هذه الظاهرة تمثل تحدياً إنسانياً واجتماعياً يتطلب دعماً نفسياً واجتماعيًا متمثلًا في فهم عميق لطبيعة الإعاقة واحتياجات الفتيات، بدلاً من اللجوء إلى العنف. تعمل الجهات المعنية على تنفيذ خطط وبرامج تهدف إلى حماية الأشخاص ذوي الإعاقة، وتوفير بيئة آمنة تُراعي خصوصياتهم، مع تفعيل آليات الإبلاغ والحماية من خلال التشريعات مثل المرسوم الاتحادي للحماية من العنف الأسري، ما يعكس التزام الدولة بحماية هذه الفئة الهامة (هيئة تنمية المجتمع، دبي، 2020؛ وزارة الموارد البشرية والتوطين، الإمارات العربية المتحدة، 2024)
تجارب الإمارات تدل أن الإرادة السياسية والقانونية الفاعلة، إلى جانب حملات التوعية والدعم الاجتماعي، تشكل قاعدة متينة لخفض معدلات العنف وتمكين الفئات الضعيفة، وهذا نموذج يمكن أن يحتذى في مجتمعات أخرى.
حلول عملية للحماية والتمكين
العمل من أجل التغيير يبدأ بالخطوات الصغيرة التي يقوم بها أفراد المجتمع والمؤسسـات، وهي ما تصنع الفارق الحقيقي.
يمكن لأفراد المجتمع والمؤسسات المساهمة بشكل فعّال عبر: تمكين المرأة ذات الإعاقة بالتعليم والتدريب، نشر الوعي المجتمعي، تطوير آليات إبلاغ ميسرة، تدريب مقدمي الخدمات على النهج القائم على الحقوق، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية. كذلك تشجيع مشاركة النساء ذوات الإعاقة في صنع السياسات لضمان الاستجابة الفعالة لاحتياجاتهن. كما يوضح مشروع “لن نتخلى عن أي امرأة” أهمية الدعم النفسي والاجتماعي المستدام .
(الجمعية الإيطالية لتنمية المرأة، 2025; صندوق الأمم المتحدة للسكان، 2021; منظمة الصحة العالمية، 2025).
إن الوقوف إلى جانب النساء ذوات الإعاقة وتمكينهن من حقوقهن يتطلب جهداً مجتمعياً متكاملاً يقوده الوعي والمناصرة، ليس فقط حماية لحقوقهن ولكن لبناء مجتمع أكثر شمولية وعدلاً.
المصادر والمراجع
المراجع باللغة العربية:
- قادر للتنمية المجتمعية. (2018). دليل السياسات والإجراءات الشاملة لحماية النساء والفتيات ذوات الإعاقة من العنف. الرابط https://shorturl.at/JxXFI
- صندوق الأمم المتحدة للسكان. (2022). العنف ضد المرأة ذات الإعاقة. القاهرة: المجلس القومي للمرأة.
https://egypt.unfpa.org/ar/publications/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%86%D9%81-%D8%B6%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%D8%A3%D8%A9-%D8%B0%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B9%D8%A7%D9%82%D8%A9 - هيئة تنمية المجتمع، دبي. (2023). تقرير العنف الأسري وتأثيره على الفئات الضعيفة.
- وزارة الموارد البشرية والتوطين، الإمارات العربية المتحدة. (2024). المرسوم الاتحادي بشأن الحماية من العنف الأسري.
https://uaelegislation.gov.ae/ar/legislations/2580 - الجمعية الإيطالية لتنمية المرأة. (2025). المرحلة الثانية من مشروع “لن نتخلى عن أي امرأة”: العنف القائم على النوع الاجتماعي والإعاقة: تحويل الضعف إلى قدرة.
https://hcd.gov.jo/Ar/NewsDetails/إطلاق_المرحلة_الثانية_من_مشروع_لن_نتخلى_عن_أي_امرأة_العنف_القائم_على_النوع_الاجتماعي_والاعاقة - الأمم المتحدة. (2013). العنف ضد النساء والفتيات ذوات الإعاقة.
https://www.un.org/womenwatch/daw/csw/csw57/side_events/Fact%20sheet%20%20VAWG%20with%20disabilities%20FINAL%20.pdf - UN Women. (2024). تقرير اليوم الدولي للقضاء على العنف ضد المرأة.
https://www.un.org/ar/observances/ending-violence-against-women - هيئة تنمية المجتمع، دبي. (2020). الفتيات ذوات الإعاقة الذهنية الأكثر تعرضًا للعنف والضرب داخل الأسرة. الإمارات اليوم.
- https://www.emaratalyoum.com/local-section/accidents/2020-09-14-1.1398339
- هيئة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان. (بدون تاريخ). اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة.
https://www.ohchr.org/ar/instruments-mechanisms/instruments/convention-elimination-all-forms-discrimination-against-women
المراجع باللغة الإنجليزية:
- IASC. (2017). Guidelines for Integrating Gender-Based Violence Interventions in Humanitarian Action.
https://gbvguidelines.org/wp/wp-content/uploads/2017/02/mod_2_ara_Defining-GBV_Slides-FINAL_ARA.pptx - Sightsavers. (2024). Disability-Inclusive Gender-Based Violence Prevention and Response Guide.
https://www.sightsavers.org/wp-content/uploads/2024/02/Sightsavers-GBV-guide-state-institution-web.pdf - Women Enabled International. (2021). Rights of women and girls with disabilities to live free from gender-based violence. link
https://shorturl.at/iGNAU - UNFPA. (2021). Women at the Center: A Movement Against the Epidemic of Violence.
https://www.unfpa.org/ar/نساء-في-المركز-انتفاضة-ضد-وباء-العنف-ضد-النساء - WHO. (2025). 16 Days of Activism Against Gender-Based Violence.
https://www.emro.who.int/violence-injuries-disabilities/violence-news/16-days-of-activism-against-gender-based-violence.html
























