إعداد الاختصاصية الاجتماعية ميمونة حسين
في مرحلة من المفترض أن تكون مليئة بالهدوء والكرامة والاهتمام، يجد العديد من كبار السن أنفسهم محاطين بالصمت، لا لراحة البال، بل لأنه لا أحد حولهم ليسمع.
العزلة الاجتماعية لدى كبار السن ليست مجرد غياب للناس، بل هي غياب للمعنى، وللصلة، وللدور الذي اعتادوا أن يلعبوه في الحياة ،يحتاج كبار السن أن يكونوا محاطين بأصوات ضحكات أحفادهم وضجيج لعبهم، محاطين باهتمام أبنائهم وحنانهم، أن يقوم أبناؤهم بخدمتهم والوقوف على احتياجاتهم ، أن يخصصوا وقتاً لنزهتهم ولسماع أحاديثهم المملؤة بقصص الماضي مع نصائحهم الحكيمة نتاج خبراتهم الممتدة عبر السنين، ولكن قد لا يتوفر هذا المشهد الدافئ للعديد من كبار السن إذ إن واقع العديد من كبار السن هو العزلة الاجتماعية، فقد يعيش المُسنّ في منزله بمفرده مع غياب تام لأصوات أبنائه وأحفاده فما المقصود بالعزلة الاجتماعية؟
العزلة الاجتماعية تعني ضعف أو انقطاع الروابط الاجتماعية التي تربط الفرد بالآخرين، سواء على مستوى الأسرة أو الأصدقاء أو المجتمع. وقد تكون اختيارية أحيانًا، لكنها غالباً ما تكون مفروضة على كبار السن بسبب ظروف خارجة عن إرادتهم.
أسباب العزلة الاجتماعية لدى كبار السن:
- تغير بنية الأسرة: ابتعاد الأبناء بسبب الدراسة أو العمل.
- فقدان الشريك أو الأصدقاء: مع التقدم في السن، يتعرض كبار السن لفقدان الأشخاص المقربين، مما يُشعرهم بالفراغ العاطفي.
- التقاعد وفقدان الدور: ترك العمل بعد عقود قد يُفقد الشخص إحساسه بالقيمة أو الانتماء.
- مشكلات صحية أو حركية: الأمراض المزمنة أو الإعاقات قد تُحدّ من قدرة كبير السن على التفاعل أو الخروج.
- ضعف التكنولوجيا: عدم القدرة على مواكبة وسائل التواصل الحديثة قد يزيد من إحساس العزلة.
آثار العزلة على كبار السن:
- نفسية: الاكتئاب، القلق، فقدان المعنى، انخفاض احترام الذات ، سلوكيات كالعناد ورفض تناول أدويته أو الذهاب إلى مواعيد المستشفى.
- جسدية: تدهور الصحة، ضعف المناعة، زيادة احتمال الإصابة بأمراض القلب.
- اجتماعية: انسحاب من الأنشطة، عدم المشاركة في الفعاليات، فقدان الروابط الأسرية.
ماذا يمكنني كفرد داخل الأسرة أن أفعل لمواجهة العزلة الاجتماعية لكبار السن؟
تخصيص وقت للجلوس مع كبار السن داخل الأسرة و إشراكهم في اتخاذ قرارات بسيطة كي يشعروا أنهم ما زالوا جزءاً مؤثراً بالإضافة إلى تعزيز الروابط الاجتماعية من خلال تشجيع أفراد الأسرة على إبقاء صلاتهم قوية بكبار السن عبر الزيارات، والمكالمات، ومشاركة تفاصيل الحياة اليومية ،دعم العلاقات بين كبار السن وأصدقائهم أو معارفهم القدامى، حتى لا يشعروا بالانفصال عن الماضي ،تحفيز المبادرات التي تسمح بنقل الخبرات والتجارب من كبار السن إلى الجيل الجديد، مما يشعرهم بأنهم لا يزالون نافعين ومؤثرين ودعمهم تقنياً ليتواصلوا مع الآخرين عبر التطبيقات أو الهواتف الذكية.
ماذا يمكنني كفرد داخل المجتمع أن أفعل لمواجهة هذه الظاهرة؟
نشر الوعي حول الشيخوخة والعزلة من خلال توعية الأجيال المختلفة باحتياجات كبار السن النفسية والاجتماعية ،كسر الصور النمطية عن كبار السن بأنهم منعزلون بطبعهم أو “لا يرغبون في التفاعل” وتسليط الضوء على الآثار السلبية للعزلة (مثل الاكتئاب، تدهور الذاكرة، ضعف المناعة) وأهمية الوقاية منها.
تهيئة بيئات مجتمعية دامجة من خلال إنشاء أو دعم مراكز أو نوادٍ اجتماعية مخصصة لكبار السن، تقدم أنشطة ترفيهية وثقافية ورياضية ، دمج كبار السن في فعاليات المجتمع المحلي (مثل المهرجانات، الفعاليات التراثية، برامج المتطوعين)، وتوفير مساحات آمنة ومرحبة تتيح لهم التفاعل دون عوائق جسدية أو نفسية.
وفي الختام، كبار السن لا يبحثون عن الشفقة، بل عن الكرامة، والاهتمام، والدور. العزلة قد تُضعف أجسادهم، لكنها تبدأ بإضعاف أرواحهم. مسؤوليتنا كأفراد ومهنيين أن نمنحهم المساحة، الوقت، والحب الذي يستحقونه.
























