بقلم: محمد النابلسي
بعد عرض الفيلم الأخير للنجم “عامر خان” Sitaare Zameen Par، نالت من الجمهور خيبة أمل كبيرة، ليس معروفاً بالضبط إن كانت هذه الخيبة بسبب التوقعات العالية من النجم، أم من المعالجة السطحية للفيلم المستوحى من الفيلم الإسباني Campeones الذي تناول بإحساس عالٍ وقالب كوميدي إنساني قصة فريق من الأشخاص ذوي الإعاقة الذهنية يخوضون تجربة غير تقليدية مع مدرب كرة سلة.
قصة الفيلم ليست جديدة، فالحكاية تدور حول مدرب كرة سلة مغرور ومتعالي يواجه عقوبته بعد القبض عليه بتهمة القيادة تحت تأثير الكحول، من خلال أداء خدمة مجتمعية بتدريب فريق من البالغين ذوي الإعاقة، ومع مرور الوقت، يتلاشى تحامله فيكتشف من خلال لاعبيه دروساً غير متوقعة عن الصداقة والصبر ومعنى الحياة، وهي في الأساس مستوحاة مما رواه المدرب الأمريكي رون جونز في مذاكرته B-Ball، بعد أن واجه حكماً بتقديم خدمة اجتماعية بعد القبض عليه يقود سيارته تحت تاثير الكحول في الثمانينيات. وقد صدر كتابه عام 1990، ثم قام بتقديمه كفيلم تلفزيوني بعنوان انتصار استثنائي (One Special Victory) من إخراج ستيوارت كوبر عام 1991. وإن كانت هذه النسخة الأولى لا تتعامل مع فريق من الأشخاص ذوي الإعاقة الذهنية.
جاءت النسخة الإسبانية من الفيلم Campeones أو أبطال، لتقدم نفس تجربة المدرب جونز، ولكن بالاستفادة من تجربة واقعية لفريق كرة السلة ” Aderes ” في مدينة بورخاسوت بمقاطعة فالنسيا، والذي تأسس من أفراد ذوي إعاقة ذهنية وفاز بـ12 بطولة إسبانية بين عامي 1999- 2014.
منذ صدور الفيلم الإسباني الأصلي Campeones عام 2018، لاقى العمل نجاحاً واسعاً دفع بعدد من الدول إلى تبنّي القصة وإعادة إنتاجها بلغاتها وسياقاتها الثقافية.
ففي عام 2020، بدأ تصوير النسخة العربية من الفيلم تحت نفس العنوان، وجرى عرضها تجارياً في صالات السينما السعودية في 10 مارس 2022. وفي نفس العام، وتحديدًا في 5 أبريل 2022، قُدّمت النسخة الألمانية بعنوان Weil wir Champions sind، من إخراج كريستوف شناي (Christoph Schnee). ثم جاءت النسخة الأمريكية الناطقة بالإنجليزية، من إخراج بوبي فاريللي (Bobby Farrelly), والتي عُرضت في 10 مارس 2023، محافظة على نفس الاسم Champions. أما النسخة الأحدث، فهي النسخة الهندية باللغة الهندية Sitaare Zameen Par، من بطولة عامر خان، والتي طُرحت في دور العرض في 20 يونيو 2025، وتُعد بمثابة “تتمة روحية” لفيلمه الشهير Taare Zameen Par الصادر عام 2007، والذي تناول صعوبات التعلم في ذلك الوقت. وبذلك، أصبحت هذه القصة مصدر إلهام عالمي، تتنقل بين الثقافات، محافظة على رسالتها الإنسانية في كل نسخة، وإن اختلفت أدوات السرد والتناول بين النسخ جميعها.
ولكن عند الحديث عن النسخة الهندية، نجد أنفسنا أمام محاولة تحمل نوايا نبيلة، لكنها تعثرت في الطريق.
يحمل فيلم Sitaare Zameen Par نية إنسانية واضحة وجلية منذ مشاهده الأولى، حيث يسعى لتقديم رؤية شمولية تحترم الاختلاف وتعترف بحق الأشخاص ذوي الإعاقة في أن يكونوا جزءاً أصيلًا من النسيج المجتمعي.
هذه الرسالة تتناغم مع المسار الفني الذي اختطه عامر خان في عدد من أعماله السابقة، التي طالما جمعت بين الحس الإنساني العميق والطرح السينمائي المؤثر. لذا فإن اختيار هذا الموضوع النبيل بحد ذاته يُحسب للفيلم، ويمنحه بعدًا أخلاقياً يجعله في مصاف الأعمال التي تُحترم حتى وإن شابها بعض النقص الفني.
ومن النقاط المضيئة في العمل، الأداء الطبيعي والعفوي لبعض الممثلين من ذوي الإعاقة، وهي السمة التي امتازت بها كافة النسخ بمختلف اللغات، فهم دائماً يضفون صدقاً لا يُصطنع، وحضوراً حقيقياً يُشعر المتفرج بإنسانيتهم قبل أي شيء آخر. وجودهم لم يكن مجرد “عنصر رمزي”، بل حمل في كثير من المشاهد طاقة دفعت بالسرد نحو لحظات مؤثرة ومُلهمة. هذا التمثيل الواقعي منح العمل جزءاً من روحه، وكان يمكن البناء عليه أكثر، لولا أن النص أحيانًا لم يمنحهم المساحة الكافية.
من الناحية الفنية، لا يمكن إنكار أن الفيلم يتمتع بمستوى إنتاجي عالٍ، كما هي السينما الهندية التي تتميز بإنتاجاتها الضخمة. التصوير كان احترافياً، واختيار المواقع والموسيقى التصويرية خدم أجواء الفيلم وأضفى عليها لمسات جمالية مميزة. الإخراج من الناحية التقنية كان متماسكاً في الغالب، وتم توظيف بعض العناصر البصرية بشكل موفق. جاء الفيلم صنعة بوليودية متكاملة فقد كان واضحاً الاهتمام بالتفاصيل الجمالية، حتى وإن لم تكن دوماً في خدمة المعنى أو تعميق القصة.
من جهة أخرى عانى الفيلم من ثغرات أضعفت أثره العام. أول هذه المآخذ هو السطحية في التناول، حيث افتقر العمل إلى العمق الدرامي في بناء الشخصيات وتطورها، مما جعله أقرب إلى استعراض عاطفي منه إلى عمل إنساني مؤثر بحق. الحوارات في كثير من الأحيان اتخذت طابعاً خطابياً مباشراً، وكأنها تشرح للمشاهد ما يجب أن يشعر به، بدل أن تتيح له فرصة التفاعل الحر.
إلى جانب ذلك، بدا واضحاً أن تكييف القصة مع البيئة الهندية لم يكن موفقاً، إذ لم تنجح النسخة الهندية في تقديم سياق واقعي يشعر به الجمهور المحلي كما فعلت النسخة السعودية، التي عكست ثقافتها بصدق وذكاء، فقد اختار الفيلم السعودي أن يكون فريقه “كرة قدم” نظراً لشعبية اللعبة في السعودية، وربما كانت رياضة “الكريكت” الخيار الأفضل بالنسبة للنسخة الهندية.
لا يمكن تجاهل الشعور العام بأن الفيلم كان يراهن بدرجة كبيرة على شهرة عامر خان وجاذبيته، أكثر من اعتماده على قوة السيناريو أو بنية درامية متينة، وهو ما جعله يبدو في بعض أجزائه أقرب إلى منتج تجاري فاقد للبوصلة الفنية.
من المؤسف أن Sitaare Zameen Par لم يكن على مستوى التوقعات، لا من حيث العمق ولا من حيث التناول الفني.
ربما أراد الفيلم أن يكون نسخة هندية بنكهة إنسانية، لكنه وقع في فخ الاستعراض على حساب الصدق، كما أن استثمار الفيلم الأيقوني لعامر خان والذي يحمل نفس الاسم جاءت متاجرة فجة، حتى أن النسخة الهندية لا تصلح تماماً كفيلم عائلي في المجتمع الهندي أو المجتمع العربي.
من المعروف أن النوايا الطيبة وحدها لا تكفي لصناعة الإبداع، بل يجب أن تُقدّم بروح مؤمنة بها، وبأدوات فنية تحترم عقل المشاهد ومشاعره.
وإن كان لا بد من إعادة تقديم قصة الفيلم، فلتكن على يد صانع لا يطارد الإعجاب، بل يؤمن بالقضية التي يتناولها عمله الإبداعي، ويستثمر أدواته الفنية على أكمل وجه.
























