ضمه المجلس بأصدقائه كما يحدث كلما هبط المساء.. كان الكفيف الوحيد بينهم، وكان يميز أصواتهم حتى حين يغيرون أماكنهم..
اتصل الحديث عذباً متفرقاً في الشعاب إلى أن طرق سمعه صوت لم يألفه من قبل نهض ومد كفه متأهباً لمصافحة الضيف الجديد الذي لم يكن صعباً عليه أن يكتشف ما به..
بعد لحظات لامست يده الأصابع التي لم يعهدها، وانطلقت التحية مدوية، عقبها إلحاح مشفق على الارتياح والجلوس.
عادت بي الذاكرة إلى سنوات الجامعة، إلى ذاك المعرض الذي أقمناه نشرح لزواره كيف تسير حياتنا – نحن المكفوفين – مستعينين ببعض مخترعات العصر.. كنا كلما مر فوج طلابي واقترب منا بدا مضطرباً تكاد تتبين من همسه حذراً وتوجساً ودهشة، وربما شفقة وتردداً.
كان الهمس مسموعاً، تتابع فيه تبادل الدعوات لسؤالنا نحن الكائنات الغريبة في نظرهم بعضنا كان يرسم على شفتيه ابتسامة هي رده على ما يدور، لكن بعضنا الآخر كان لا يتمالك نفسه فينفجر: نحن وإن كنا لا نبصر نستطيع أن نسمع!
شخصياً لا أملك تفسيراً أطمئن إليه يدلني لماذا اتفق قطاع عريض من المبصرين على تعمد رفع الصوت كلما وجهوا الحديث إلى مكفوف!
ربما يعتقد البعض بأن فقدان البصر يؤدي إلى فقدان حواس أخرى كالسمع – مثلاً – أو ربما يتوقع البعض أن الكفيف غائب عن الوجود من حوله، فيكون الصوت المرتفع وسيلة لإشعال الإحساس، أشبه ما تكون بالصدمة الكهربائية التي تبعث شيئاً من الوعي، أو ربما…
مهما يكن الأمر، فالثابت عندي أن هذا التصرف غير مريح ومستفز، وأن التخلي عنه وإفساح المجال لصوت المخاطبة العادي فيه نوع من المساواة والحميمية التي ربما تضيع في ضوضاء صوت عال.
























