تقدم نظرية التكيف مع أوضاع العمل والتأقلم مع بيئته إطاراً نظرياً مناسباً لتطوير المستقبل الوظيفي للأفراد ذوي الإعاقة حيث روعي عند صياغة هذه النظرية كل من الصفات الذاتية والقدرات العملية وأهداف العمل
إن انتقال الأفراد من ذوي الإعاقة من أسوار المدرسة إلى معمعة العمل يمثل مشكلة كبيرة لهم، حيث غالباً ما يواجهون مصاعب جمَّة تتمثل على سبيل المثال لا الحصر في عدم القدرة على التكيف والبطالة، أو انخفاض الأجور، أو العمل وفق شروط أو في ظروف تنطوي على التفرقة أو التمييز، أو العمل في وظائف دون المستوى المطلوب.
وحتى عهد قريب كانت خدمات التربية الخاصة تقتصر على التلاميذ الذين تقل أعمارهم عن 17 سنة، الأمر الذي جعل التلاميذ من ذوي الإعاقة فوق الـ 17 سنة (مرحلة ما بعد الثانوية) لا يحظون بخدمات التربية الخاصة. هذا الوضع جعل المختصين في حقل التربية الخاصة لا يعرفون سوى النزر اليسير عما يحدث لهؤلاء التلاميذ وعن مدى الوفاء بالهدف البعيد والمقصد الكلي لخدمات التربية الخاصة والمتمثل في التأقلم مع المجتمع والاندماج فيه. وإزاء هذا النقص ظهر توجه حديث يعرف بالخدمات الانتقالية. فالخدمات الانتقالية هي نظام إيصال الخدمة service – delivery system، حيث أن الهدف الرئيس لهذه الخدمات هو ضمان معيشة الفرد ذي الاحتياج الخاص وتكيفه بنجاح في بيئته (1).
ولإلقاء مزيد من الضوء على هذا الموضوع الذي يقل ذكره في أدبيات التربية الخاصة العربية ستحاول هذه المقالة بحث وإيضاح كل من:
- الأسس المنطقية والنظرية لتقديم الخدمات الانتقالية للأفراد من ذوي الإعاقة.
- العوامل والنماذج الرئيسية التي تسهم في إنجاح عملية انتقال هؤلاء الأفراد من أسوار المدرسة إلى أجواء العمل.
الأسس المنطقية (المبررات) والنظرية
الأساس المنطقي: لقد أصبح انتقال الأفراد من ذوي الإعاقة من الحياة الدراسية إلى الحياة العملية هاجساً يقض مضاجع المعنيين بهذا الأمر؛ وذلك نتيجة لارتفاع معدلات ترك المدارس قبل التخرج (الفاقد التربوي)، وتدني مستوى التحصيل الدراسي، ومحدودية مشاركة أولياء الأمور، وقلة البرامج الملائمة في المجالات الاستشارية ومجالات التدريب المهني، بالإضافة إلى محدودية تأثير برامج التربية الخاصة في المرحلة الثانوية وما بعدها على تكيف الطلاب من ذوي الإعاقة مع بيئاتهم، وقلة البرامج المساعدة في عملية توظيف هؤلاء الأفراد. فعلى سبيل المثال، حوالي 68٪ من هؤلاء الأفراد من ذوي الإعاقة في الولايات المتحدة الأمريكية إما من العاطلين عن العمل أو ممن يشغلون وظائف دون المستوى المطلوب، حيث قدرت التكلفة السنوية لهؤلاء الأفراد بحوالي 115 بليون دولار (2). ومن هنا، كان لابد من إيجاد برامج انتقالية فعالة ومنظمة وفق ترتيب محكم لإرشاد هؤلاء التلاميذ وأمثالهم. وتزويدهم بما يلزم من توجيهات لكي يشقوا طريقهم من المرحلة الثانوية إلى التعليم فوق الثانوي، أو إلى الحياة العملية، خاصة أن هذا النوع من الخدمات أصبح حجر الزاوية في نجاح برامج التربية الخاصة، حيث ينص قانون تربية وتعليم الأفراد المعوقين (IDEA) Individual with Disabilities Education Act على ضرورة تقديم هذه الخدمات الانتقالية (3).
الأساس النظـــري: لما كان الفرد من الأشخاص من ذوي الإعاقة يجابه جملة من المصاعب والمتاعب في اتخاذ القرارات المتعلقة بمشواره العملي ومستقبله الوظيفي، فإنه سيتم التطرق هنا إلى الاعتبارات الخاصة بالبعدين الزماني والمكاني في حياة ذلك الفرد، حيث يتناول البحث هنا اعتبارات تقدير مدة حياة الفرد ومداها؛ أي اعتبارات تقدير عمر الفرد على وجه البسيطة، ومجالات حياته، وأدواره في الحياة؛ بحسبان ذلك أساساً نظرياً ملائماً لتخطيط عمليات انتقال ذلك الفرد من دور لآخر أو من مرحلة لأخرى. وذكر زيمانسكاي (4) أن عدة نظريات خاصة بالتطور الوظيفي والمستقبلي تشير إلى أن اهتمامات الفرد بمستقبله الوظيفي تتطور مع مرور الوقت. وينظر إلى تأثير الطفولة الباكرة على أنها أهم عامل لتحديد السلوك الوظيفي وتقريره لاحقاً. وعلى هذا، فإن معظم النظريات تركز على أهمية السنوات المبكرة أو الأعوام الأولى من حياة الفرد في إعداد خطط المرحلة الانتقالية.
وتقدم نظرية التكيف مع أوضاع العمل والتأقلم مع بيئته(3) إطاراً نظرياً ومفاهيمياً مناسباً لتطوير المستقبل الوظيفي للأفراد من ذوي الإعاقة، حيث روعي عند صياغة هذه النظرية ما يلي:
- ( الصفات الذاتية للفرد: وتشمل كينونته كموظف أو عامل، مثلاً فكرة الفرد عن نفسه والدافعية للعمل.
- (القدرات العملية والمهنية: ويتمثل جزء منها في عادات العمل والمهارات الشخصية.
- ( أهداف العمل: كالأهداف الوظيفية مثلاً. ويتم إعداد كل مجال خلال فترة زمنية محددة بينما يتم تكوين الشخصية المهنية للفرد في السنوات الدراسية الأولى (كفترة المرحلة الابتدائية). أما قدرات العمل، فيتم تطويرها خلال سنوات الدراسة المتأخرة اللاحقة (في المراحل المتوسطة أو الثانوية مثلا) فيما يتم تطوير أهداف العمل في المراحل الدراسية اللاحقة.
هذا، وينبغي أيضاً التطرق لامتيازات البعد المكاني في حياة الفرد، ومجالات نشاطه الحياتي، حيث تنعكس هذه الامتيازات على هيئة أطوار وأدوار حياتية مختلفة في عمر الفرد، مثل طوره كطفل، ومن ثم دوره كتلميذ، فمواطن. فضلاً عما تقدم، هنالك صلة تربط العائلة والمجتمع والثقافة بشكل عام مع الأبعاد والجوانب البيئية والمعيشية؛ ولهذا يلزم أخذها جميعاً في الاعتبار عند إعداد وتطوير الخدمات الانتقالية (4).
العوامل والنماذج الرئيسية التي من شأنها تسهيل عملية الانتقال
هناك خمسة نماذج (2) انتقالية يتكرر ذكرها في هذا المجال هي:
-
نموذج OSPES للانتقال:
هنالك ثلاثة افتراضات، تمثل الأساس الذي قام عليه هذا النموذج، وهي:
- التعقيد الذي يكتنف خدمات مرحلة ما بعد مغادرة المدرسة، حيث ينبغي تصميم خطة انتقالية فعالة تلائم ظروف الفرد المعني، وتناسب أحواله، وتفي بمتطلباته؛
- التركيز على تحديد الخدمات المطلوبة، والتي من شأنها مساعدة الأفراد المعوقين والأخذ بأيديهم في المرحلة الانتقالية؛
- إن التوظيف ثمرة من ثمرات التعليم ونتيجة من نتائج مرحلة الانتقال بالنسبة للناس كافة. وتتمثل الغاية المتوخاة من هذا النموذج في إمكانية حصول الأفراد على وظائف بعد ترك المدرسة.
-
نموذج هالبيرن Halpern الانتقالي:
وهو مبني على أساس افتراضات البرنامج السابق. ولا يقتصر هدف هذا النموذج على إيجاد وظيفة فحسب، وإنما تتمثل غايته القصوى في التكيف مع المجتمع، والاندماج فيه. ولهذا، يلزم إضافة بعدين آخرين علاوة على البعد المتمثل في إيجاد الوظيفة، والبعدان هما:
- البيئة السكنية،
- شبكة العلاقات الاجتماعية والصلات بين الأفراد.
-
النموذج الانتقالي المهني:
ويقوم على خمسة افتراضات، هي:
- وجوب مشاركة أعضاء من تخصصات وخدمات متعددة،
- أهمية مشاركة الآباء وأولياء الأمور.
- وجوب بدء عملية الانتقال إلى مرحلة التدريب المهني قبل سن الحادية والعشرين.
- وجوب التخطيط لعملية الانتقال؛
- وجوب توفر عنصر الجودة والفعالية في خدمات التكوين والتدريب المهني. ولما كان هذا البرنامج يركز على التدريب المهني، فهو يعتبر مناسباً للأفراد ذوي الاعاقات الشديدة.
-
نموذج براون وكيسر Brown & Kyser الانتقالي:
وينطوي على افتراض أساسي واحد، حيث تحدث المتاعب وتنشأ المصاعب خلال المرحلة الانتقالية الثانوية (مرحلة الانتقال من التعليم الثانوي) نظراً للتباين في الخواص الشخصية للفرد المنتقل من جهة والمتطلبات والفروق البيئية من جهة أخرى. ويمكن للمعلم حل هذه الإشكالية باتباع استراتيجية ملائمة. وتندرج تحت هذا النموذج أربع خطوات، هي: تقدير الحالة، والتخطيط، والتنفيذ (تطبيق الخطط)، والتقييم بعد التنفيذ.
-
نموذج تنسيق المشاريع:
ويقوم على افتراض أساسي هو أن التلاميذ من ذوي الإعاقة، والذين يتركون المدرسة، يحتاجون إلى نموذج شامل لتعلم مهنة مفيدة. ولتحقيق أغراض هذا النموذج، فإنه يتعين إيجاد علاقة قوية بين بيئة التلميذ الذي يترك المدرسة والبرامج التدريبية في المجتمع. ويشتمل هذا النموذج على أربعة أنشطة، هي: التعرف، والتحديد، والتدخل، والتوظيف، والمتابعة.
ولئن كانت النماذج الخمسة آنفة الذكر مفيدة في تسهيل عملية الانتقال وفي تبسيط خطوات المرحلة الانتقالية للأفراد ذوي الإعاقات المختلفة، فأن كل نموذج منها يركز على جانب معين. فالنموذج الأول يركز على التوظيف، فيما يركز نموذج هالبيرن على التكيف مع المجتمع بهدف الاندماج فيه. أما نموذج التدريب المهني، فيركز على الخدمات الانتقالية، بينما يركز نموذج براون وكيسر على المطابقة بين خواص الفرد ومتطلبات البيئة. وأما نموذج تنسيق المشاريع، فهو يركز على عملية الدخول إلى عالم التوظيف.
يمكن الخلوص إلى أن خدمات المرحلة الانتقالية تمثل منعطفاً حرجاً وحاسماً في حياة الأفراد ذوي الإعاقة. لذلك تم التركيز في هذا المقال على إيضاح وبحث خمسة نماذج انتقالية جرى إعدادها وتطويرها من قبل المختصين بغرض تسهيل عملية انتقال هؤلاء الأفراد من مرحلة لأخرى. وتهدف هذه النماذج جميعاً إلى مساعدتهم لكي يصبحوا مواطنين صالحين لهم أدوارهم وإسهاماتهم في الحياة.
المراجع
- Halpern, A. (1985). Transition: A look at the foundations. Exeptional children, 5 (6), 479-486.
- Gajar, A. Goodman, L., & McAffee, J. (1993). Secondary schools and beyond: Transition of individuals with mild disabilities. NY: Macmillan.
- Spruill, J. A. (1993). Secondary assessment, structuring the transition process. Learning Disabilities Research & Practice, 8 (2) 127-132.
- Szymanski, E. M. (1994). Tranition: Life – span and life-space considerations for empoerment. Exceptional Children, 60, 402-410.
























