بالعودة إلى التّاريخ… نلاحظ أن مفهوم الإعاقة قد ارتبط بـ «الثّقافة» السّائدة في المجتمعات، حيث كانت تتعامل مع الأشخاص ذوي الإعاقة بأساليب وأنماط ترتكز إلى «فلسفتهم» في الحياة ونظرتهم إلى الوجود والحياة… ومفهوم «البقاء».
فأفلاطون مثلاً… رغم «مثاليته» و«فلسفته» فقد نبذ وأقصى وهمّش «المعاقين» من «مدينته أو جمهوريته»، وهو النّهج الذي سار عليه «الرّومان» ثم «الكنيسة»… مروراً بـ «القرون الوسطى» وصولاً إلى بدايات القرن العشرين، نهج النّبذ والإقصاء والتّهميش…. بل وحتّى القتل !!، انطلاقاً من «ثقافة» سادت ردحاً طويلاً من الزّمن، ارتكزت تارّة على فكرة «البقاء للأقوى» وتارّة على أنّ الإعاقة «لعنة إلهية» و«عقاب إلهي» و«مسّ من الشّيطان».. وفي «أرقى حالاتها» موضوع «للشّفقة والإحسان»..!!.
الإعاقة والثّقافة الإسلاميّة
وليس من باب التّفاخر حين نشير إلى تمّيز الدّين والحضارة الإسلامية في تعاملها الإنساني الرّاقي مع «الإعاقة» والأشخاص ذوي الإعاقة، إنّما من باب إحقاق الحقّ، والتّأريخ…
فالتّعامل المتميّز مع الأشخاص ذوي الإعاقة في التّاريخ الإسلامي وخاصّة في مرحلة صدر الإسلام وما بعده، قد ارتكز إلى «ثقافة إسلامية» ارتكزت بدورها على مجموعة من القيم، أساسها كان إعلاء شأن «الكرامة البشرية» (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً) (الآية 70 من سورة الإسراء)، والأساس الثّاني كان «العدل والمساواة وعدم التّمييز»، (كلّكم من آدم وآدم من تراب)، (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند اللّه أتقاكم). (الآية 13 من سورة الحجرات)، (لا فرق بين عربيّ وأعجميّ إلاّ بالتّقوى)، أي أنّ «الثقافة الإسلامية» السّائدة كانت تقوم على أنّ البشر متساوون بالكرامة والحقوق والواجبات، دون أيّ شكل من أشكال التّمييز، وبغضّ النّظر عن أيّ شكل من أشكال الفروق بين البشر سواء الماديّة منها أو الاجتماعية أو البدنيّة أو غيرها، والأساس الوحيد للمفاضلة والتّميّز هو «التّقوى والعمل الصّالح»…
عبس وتولّى
والتّاريخ الإسلامي حافل بالأمثلة والمواقف التي تُظهر التزام المسلمين بهذه «الثّقافة» وخاصّة مع الأشخاص ذوي الإعاقة، ولعلّ أشهرها على الإطلاق قصّة النّبي محمّد عليه الصّلاة والسّلام حين جاءه رجل ضرير وفقير، يسأل عن الآيات التي نزلت في غيبته، فأهمله الرّسول رغم إلحاحه في الطّلب، وعبس في وجهه مُعرضاً عنه، فعاتبه ربّه عتاباً شديداً حين نزلت الآيات الكريمة (عبس وتولَّى، أن جاءه الأعمى، وما يدريك لعله يَزَّكَى، أو يَذَّكَّرَ فتنفعه الذكرى، أما من استغنى، فأنت له تَصَدَّى، وما عليك ألاَّ يَزَّكَّى، وأما من جاءك يسعى، وهو يخشى فأنت عنه تَلَهَّى، كلاَّ إنها تذكرة)، (سورة عبس، الآيات: 1 إلى 11) وسيغدو هذا الرّجل الضّرير بعدها وقد أنصفه الإسلام ذات تاريخ صّحابيّاً جليلاً ذائع الصّيت.
تلك «الثّقافة» كانت حريصة على حماية تلك الشّريحة من المجتمع وعلى احتضانها واحترامها، حتّى أنّها أطلقت عليها تسميات تحفظ «كرامتهم الإنسانيّة»، وتقيهم شرّ «الوصمة»، مثل «الضّعفاء» و «أصحاب الأعذار» و«الزّمنى»، كما نهت أيضاً عن التّنابز بالألقاب، وإطلاق تسميات تحمل مضامين تمييزيّة أو تحطّ من الكرامة، (يأيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساء من نسآء عسى أن يكنّ خيراً منهن لا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأؤلئك هم الظّالمون)، (الحجرات الآية 11).
تلك «الثّقافة» أيضاً هي التي أتاحت للأشخاص ذوي الإعاقة المجال ليندمجوا في مجتمعاتهم دون أي شكل من أشكال التّمييز، وليساهموا فيه كلّ حسب قدراته، وهي أيضاً التي ساهمت في نبوغ العديد منهم في مختلف المجالات والميادين، بما في ذلك الولاية، حيث كان الرّسول صلّى الله عليه وسلّم يعهد ولاية المدينة المنوّرة عند سفره، إلى ذلك الصّحابيّ الجليل الذي عاتبه الله من أجله عبد الله بن مكتوم.
كما امتازت تلك «الثّقافة» بالبحث العلمي عن أسباب العجز والإعاقة، بعيداً عن الخرافات والمعتقدات التي كانت سائدة قبل الإسلام، وساهم العديد من العلماء في هذه الجهود، مثل الكندي وابن سينا والرّازي وغيرهم.
ثقافة الحقوق
كما ساهمت هذه «الثقافة» في تكريس عدد من حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، التي ما تزال العديد من الدّول المعاصرة في أيّامنا هذه تفتقر إليها، مثل: الحقّ في الرّعاية الاجتماعية، حيث بنى العديد من الخلفاء «مراكز» متخصّصة لهؤلاء، فقد أسس الوليد بن عبد الملك سنة 707م (88 هـ) أول معهد لذوي الإعاقة الذّهنيّة، ثم أسّس بعد ذلك بيمارستان بغداد، سنة 756م (137 هـ)، الذي كان أول بيمارستان خاص بالأمراض العقلية، ثم انتشرت هذه المؤسسات في شمال إفريقيا ومنها إلى أوروبا عبر إسبانيا.(1)
كما خصّص لكلّ ذي إعاقة جسديّة «المقعدون» خادماً ولكلّ ذي إعاقة بصرية «الكفيف» قائداً، فيما يُعرف اليوم بمصطلح «الحقّ في المعونة المنزلية أو الرّعاية المنزلية»، وتُدفع نفقاتهم من «بيت مال المسلمين» أي «الخزانة العامّة».(2)
وفي الإطار العام شهدت العصور الإسلامية المتعاقبة تشييد مستشفيات ومآوٍ خاصّة لذوي الإعاقة الذّهنية والبصرية والعجزة… وغيرهم.
ولمّا وُليَ الوليد إسحاق بن قبيصة الخزاعي ديوان الزَّمْنى(أي ذوي الإعاقة) بدمشق قال: لأدعنّ الزَّمِن (ذي الإعاقة) أحبُّ إلى أهله من الصّحيح (من غير ذي إعاقة)، وكان يُؤتى بالزمِن حتى توضع في يده الصدقة (عبد الحكيم سمارة ـ مصدر سابق).
ويؤكّد الدّكتور محمّد محمود الصّقور خبير الرّعاية الاجتماعيّة والتّخطيط بمركز الدّرعيّة بالرّياض سابقاً، «أنّ نظرة الإسلام إلى «المعاق» بُنيت على أسس أهمّها:
«حفظ كرامته، وحقّه الكامل في المساواة والعدل، والعمل وبحدود طاقاته واستعداداته، وأنّه على الأمّة واجب رعايته والاهتمام به، وأنّ قيمة الإنسان فيما يتقنه…». (3)
وللأسف… هذه المعاملة المتميّزة للأشخاص ذوي الإعاقة شهدت تراجعاً كبيراً مع انحسار «الثّقافة» الإسلاميّة إثر انحطاط الإمبراطورية الإسلامية وتراجعها وتشرذمها وانقسامها إلى إمارات وممالك قزميّة .
علاقة ديناميكية
والملاحظ من تتبّع المسيرة التّاريخيّة لمفهوم الإعاقة، أنّ هناك علاقة ديناميكية ما بين «الثّقافة» و«الإعاقة»، فبقدر ما تكون «ثقافة» المجتمع راقيّة و«إنسانيّة» وقائمة على قيم ومبادئ «التّسامح» و«الرّحمة» و«العدل» و«المساواة» و«قبول الآخر» و«قبول الاختلاف» و«المشاركة»، وبقدر ما تحضّ على العلم والثّقافة، وبقدر ما تؤمن بالتّنوّع، التّنوع الدّيني، والتّنوع القومي، والتّنوع الفكري…، وبقدر ما تتيح الحرّيات، حريّة العقيدة وحريّة الفكر وحريّة الرأي والتّعبير…، بقدر ما يكون انعكاس ذلك إيجابيّاً على قضايا «الإعاقة» و«حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة»، والعكس صحيح… وخير مثال على ذلك ما آل إليه وضع المجتمعات الإسلامية، التي تراجع فيها الاهتمام بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة بعد تراجع وانحسار «الثّقافة الإسلامية»… ليصل الأمر في بعضها إلى الاعتقاد بالخرافات والنّظر إلى بعض الإعاقات، كالإعاقات الذّهنيّة باعتبارها مسّ من الشّيطان أو «الجنّ»، أو اعتبارها «عقاب إلهي»، أو « كرامة من الكرامات»…!! (4)
الهوامش:
- مقاطع من كتاب ـ الحقوق الثقافية للأشخاص ذوي الإعاقة ـ منشورات المنظّمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة ـ 1433هـ ـ 2012.
- عدنان الجازولي ـ الإعاقة في التّشريعات المعاصرة ـ منشورات المنظّمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو) ـ 1425هـ 2004م.
- عبد الحكيم سمارة ـ نظرة الإسلام للمعاقين ـ محاضرة منشورة على الموقع www.fatehforums.com.
- د. محمّد محمود الصّقور ـ الرّعاية الاجتماعيّة للمعاقين في التّراث العربي الإسلامي» المنشور في كتاب «الإعاقة ورعاية المعاقين في أقطار الخليج العربية، الصادر عن مكتب المتابعة لمجلس وزراء العمل والشّؤون الاجتماعيّة بالدّول العربيّة الخليجيّة 1991.
- لمزيد من التّفاصيل راجع/ي عدنان الجزولي ـ الإعاقة في التّشريعات المعاصرة ـ منشورات المنظّمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو) ـ 1425هـ 2004 م، وسعد الدين إبراهيم: «قضية المعاقين في الوطن العربي» ـ مجلة المستقبل العربي ـ مركز دراسات الوحدة العربية. العدد 1981/ 12 ـ 34، و مصطفى نصراوي، التأهيل المهني للمعوقين ـ المجلة العربية للتربية ـ السنة الثانية ـ العدد الأول ـ يناير 1982، منشورات المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم. والإعاقة ورعاية المعاقين في أقطار الخليج العربية ـ مكتب المتابعة لمجلس وزراء العمل والشّؤون الاجتماعيّة بالدّول العربية الخليجيّة ـ 1991.
























