تأمل عدة الرسم بشغف كبير كما لو أنه يراها أول مرة وراح يغمس ريشته بالألوان لتنساب فوق قماش اللوحة الأبيض أشكالاً جميلة كونت مجتمعة بعد أن أنهى الرسم تحفة فنية رائعة..
مذ كان صغيراً عشق محمود الرسم وأبدى لأهله على الدوام رغبته بامتهانه وعلى الرغم من دهشتهم الكبيرة بهذا الولع إلا أنهم لم يتأخروا في مساندته فكان والده يشتري له الأدوات الضرورية من ريش وألوان ودفاتر..
مع مرور كل عام كان محمود يبدي تميزاً لافتاً في إبداع لوحات حظيت بإعجاب كل من رآها وحين بلغ عامه الخامس عشر أقام أول معرض له ثم توالت المعارض التي حملت اسمه لكن القاسم المشترك بينها جميعاً أنه لم يحضر أياً منها..
كان حريصاً ألا يظهر أمام الجمهور وأن يترك لوحاته تتحدث بالنيابة عنه وكثيراً ما كانت هذه اللوحات تباع مقابل مبالغ مالية محترمة وهكذا أصبح محمود مستقلاً اقتصادياً لكنه لم يكتف بذلك بل لطالما قدم العون المادي لأسرته التي يحبها حباً جماً..
…. هذه اللوحة الأخيرة التي رسمها وتم عرضها مؤخراً حظيت بإعجاب كبير من إحدى الفتيات وحين سألت عن الرسام الماهر أخبرها منظمو المعرض أنه لا يظهر للناس ويكتفي برؤيتهم للوحاته، لكنها أصرت على مقابلته وبعد إلحاح شديد استطاعت الحصول على عنوان محمود وقررت زيارته كي تتعرف على هذا الرسام الجميل..
ذات صباح صيفي جميل قرع جرس باب منزل محمود وحين استفسر أخوه عن شخصية الزائر أخبرته تلك الفتاة باسمها وبأنها من أشد المعجبين بفن الرسام الكبير وتريد أن تقابله، لكن الشقيق أخبرها أن محموداً لا يقابل أحداً وهو مشغول حالياً بالرسم… غير أنها أصرت على لقائه، فاستأذنها للتشاور معه بعد أن دعاها إلى الدخول والاستراحة في صالون المنزل.
مرت دقائق عشر على الانتظار وبعدها فتح الباب وأطل منه محمود..
تجمد الكلام في حلق الفتاة وأصابها نوع من الذهول فتلعثمت وهي تعرف بنفسها وتمد يدها للمصافحة لكنها خجلت وارتبكت وهي تسحبها مع الاعتذار الشديد..
ـ لا عليك.. قال محمود مبتسمأً ابتسامة فيها الكثير من العبر..
ـ لست الوحيدة التي أصابها الذهول لدى رؤيتي.. لا شك أن السؤال الذي يأكلك من الداخل الآن هو… ولكن كيف؟؟
ـ لا تقلقي.. سأريك.. تفضلي معي إلى المرسم..
وسط حيرتها ودهشتها رافقته إلى المرسم ورأته كيف يوضب أدوات الرسم بدقة كبيرة ثم بروية يمسك بقدمه فرشاة الرسم ويبدأ العزف بالألوان مداعباً أوتار اللوحة..
طلب من شقيقه أن يحضر للضيفة فنجاناً من القهوة.. وقال موجهاً كلامه لها..
ـ أتيت إلى هذا العالم دون يدين.. هكذا كما ترين.. لكني عشقت الرسم منذ الصغر وقررت ألا أسمح للإعاقة أن تعيقني..
ـ هكذا رحت أتدرب يومياً على استخدام قدمي في الرسم ومع مرور الزمن غدوت محترفاً حتى أنه من المستحيل لمن لا يراني أن يصدق أن هذه الرسومات هي لشخص من ذوي الإعاقة.. تماماً كما حدث معك.. (قالها مازحاً)..
ـ ألهذا السبب لا تتواجد أثناء المعارض بالقرب من الجمهور؟
استفسرت الفتاة وأمارات الدهشة لم تبارحها بعد..
ـ لهذا السبب وغيره.. أجاب محمود.. لا أريد أن أخوض في نقاشات مرهقة.. أفضل عزلتي هذه وتفرغي للإبداع.. الرسم هو حياتي..
*****
قفلت الفتاة عائدة إلى منزلها لكنها لم تتوقف للحظة عن التفكير بمحمود..
ـ يا له من رجل.. كانت تقول لنفسها.. يا له من إنسان..
ثم خطرت لها فكرة: بعد شهرين سيقيم محمود معرضه الجديد.. لا بد أن تجد طريقة تخرجه من عزلته هذه ولا بد أن يعرف الجميع أن هذه اللوحات البديعة يرسمها شخص ليس عنده يدان.. إنها معجزة بشكل ما..
هكذا راحت ترتب للأمر بالاتفاق سرياً مع أسرة محمود.
في مساء الافتتاح ادعت أمه أنها بحاجة إلى رفقته لها خارج المنزل لأمر ضروري..
لم يتردد محمود للحظة فطلبات أمه أوامر..
ركب السيارة بصحبتها دون أن يدري أنه متجه إلى المكان الذي تجنبه طيلة حياته وحين وصلا لم يعرف أين هو فالخطة كانت تقضي أن يتم تعتيم المكان والتزام الجمهور بالهدوء وما أن ولجا إلى داخل الصالة حتى أضيء المعرض فوجد نفسه فجأة وسط حشد كبير من المعجبين بفنه..
دوت عاصفة قوية من التصفيق لكن المفاجأة كانت أكبر من قدرته على الكلام، وعندما شعر بحجم الحب الذي يكنه له المعجبون بفنه وكم زاد إعجابهم هذا بعد رؤيتهم له ندم على كل لحظة أضاعها دون أن يكون حاضراً هنا منذ البدايات..
لم يستطع إخفاء دمعه فمشاعره فاقت قدرته على الكتمان..
ـ فكرة من هذه!.. سأل محمود أمه..
أشارت والدته بيدها صوب الصبية..
وكما أدهشها بقدرته على الرسم بالألوان رغم الإعاقة أدهشته هي بقدرتها على الرسم بالفرح رغم العزلة..
لمحمود الآن ولدان.. صبي في العاشرة وبنت في السابعة من العمر..
من أجمل الأوقات التي يمضيها معهما عندما يحدثهما كيف تعرف بأمهما صبيحة يوم صيفي جميل..
























