إنسانية التأهيل التربوي
فلسفة التمركز حول الطفل في نموذج (DIR/Floortime)
إعداد: د. وليد جابر عبد اللطيف معلم تربية خاصة في مركز الشارقة للتوحد
استعرض في هذا المقال الرؤية الإنسانية ضمن البرامج التأهيلية الموجهة للأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد، من خلال تسليط الضوء على نموذج (Developmental, Individual-Difference, Relationship-Based). كما أناقش كيفية التحوّل من “السيطرة السلوكية” التي تركّز على الجانب الظاهر للطفل ذي اضطراب طيف التوحد، إلى “جوهر الطفل” الذي يجعل من إنسانية الطفل، وفروقه الفردية، وعلاقاته العاطفية، حجر الزاوية في العملية التأهيلية التربوية، كدعوة لبناء علاقات قوية مع الطفل ذي اضطراب طيف التوحد تجعل لديه دافعية حقيقية مستمرة للتعلم واكتساب الخبرات، باختصار الفهم والتقبل والتكيف قبل تعديل السلوك…
مقدمة:
خلال العقود الأخيرة رأينا بوضوح هيمنة التدخلات القائمة على المثير والاستجابة في تأهيل الأشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد، وبالرغم من فاعليتها الإجرائية، إلا أنها واجهت انتقادات تتعلّق بمدى استقلال الطفل والنظرة للسلوك قبل الطفل واعتبار السلوك الصحيح وغير الصحيح معياراً للتدخل.
ومن هنا، يبرز نموذج (DIR) الذي أسسه “ستانلي جرينسبان” و”سيرينا ويدر” كإطار مفاهيمي يتجاوز “تعديل السلوك” إلى “قوة العلاقة الإنسانية”. إن جوهر هذا النموذج يكمن في إنسانية التأهيل؛ حيث لا يُنظر للطفل بأنه يتصرف بأسلوب مشوّه مقارنة بالطفل النمطي ولا بد من تعديله، بل ككيان ذي خصوصية نمائية تستوجب الفهم والاحتواء قبل التدخل، ويتوقف كثيراً ليجعل الطفل راغباً في تغيير سلوكياته كقرار داخلي، وبدافعية حقيقة أو تأقلم وتكيف مع البيئة الداعمة في الحالات التي تحتاج إلى تكييف وليس تغييراً أو مقارنة مع الأقران من غير ذوي اضطراب طيف التوحد.
أولاً: ماهي فلسفة نموذج (DIR)
دائماً ما أشبّه فلسفة هذا النموذج بالمثلث الذي يعيد صياغة “العلاقة “بين المعلم والطفل:
- المحور التطوري (Developmental): يقوم هذا النموذج على مراعاة النمو والتطور المستمر الذي يمر به الطفل اجتماعياً وعاطفياً وأنه متسلسل بصورة وظيفية وأنه مسؤول عن سلوكياته، ولا يمكن تعليمه مهارات دون معرفة مستواه النمائي التطوري، بل بناء “البنية التحتية” للعقل البشري، مثل التنظيم، وحل المشكلات، والتفكير الرمزي، حسب المرحلة النمائية.
- محور الفروق الفردية (Individual-Difference): يتفرد هذا النموذج ب “بروفايل حسّي” فريد، يقوم على احترام الكرامة الإنسانية ويظهر ذلك في مواءمة المدخلات البيئية لتناسب المعالجة الحسية للطفل (سمعياً، بصرياً، ودهليزياً)، وهو ما يسمّى في المناهج الحديثة المتمركزة حول الطفل بـ “التكيف البيئي الرحيم”.
- محور العلاقات (Relationship-Based): هنا الجانب المشرق الذي أطلق عليه شمس النموذج وبوصلتها في الاتجاه الصحيح والبداية الموفقة، حيث يؤكد هذا النموذج على أن التعلم الحقيقي يحدث فقط في سياق علاقة وجدانية آمنة؛ فالعلاقة هي “الناقل العصبي” للخبرات التربوية.
ثانياً: فلسفة “الطفل القائد” بين تقرير المصير والسلطة الرقابية للمعلم والأهل.
يصف كاتب النموذج استراتيجية Floortime بأنها “الفعل الديمقراطي” في التربية الخاصة، وقبل أن يتبادر إلى ذهنك أن اتباع قيادة الطفل تعني العشوائية، يجيبك المؤلف بأنها “استدراج تربوي ذكي” يبدأ من نقطة اهتمام الطفل، كحيلة تكتيكية مدروسة وبمنهجية مضبوطة، تُذكِّرُ بتعديل البيئة واصطناع مواقف لتظهر كأنها بالصدفة، لنقيس أثر تفاعل الطفل في هذه المواقف، من خلال:
- الانضمام إلى عالم الطفل: بدلاً من إجبار الطفل على الدخول إلى عالمنا، نقوم نحن بالدخول إلى عالمه عبر “اللعب المتصل”.
- الندية التفاعلية: هنا نكسر الشكل النمطي (معلم/تلميذ)، ليصبح المعلم “ميسراً” (Facilitator) يقرأ مبادرات الطفل العفوية ويحولها إلى حلقات تواصل (Communication Circles وهذا النهج يعزز لدى الطفل الشعور بأن لديه مطلق الحرية وأنه ليس مُجبراً أو مقيد الحرية، وهو حق إنساني أصيل في تقرير مصير التفاعل (الاختيار مقابل الإجبار).
ثالثاً: مراحل النمو العاطفي الوظيفي كخارطة طريق
ليتمَّ التدخل الناجح بهذا النموذج لابد من فهم مراحل النمو العاطفي التي تعتبر جسر التواصل مع الطفل، وكي يكون التدخل متمركزاً حقًا حول الطفل، لخصها النموذج في ست قدرات أساسية:
- التنظيم والاهتمام المشترك: قدرة الطفل على معالجة المثيرات والبقاء منخرطاً.
- الارتباط والحميمية: الانتقال من العزلة إلى البهجة في الرفقة الإنسانية.
- التواصل ثنائي الاتجاه: تبادل المشاعر والإيماءات الوظيفية.
- التواصل الاجتماعي المعقد: حل المشكلات التفاعلية (مثل شد اليد للوصول لشيء).
- الأفكار العاطفية: استخدام الرموز واللعب الدرامي للتعبير عن الذات.
- التفكير المنطقي: الربط بين الأفكار وفهم السببية العاطفية.
هنا القوة المطلقة لهذا النموذج الذي يمكّن المعلم أو المربّي من أن يكون على دراية بهذه المراحل ويفهمها، بل ويستطيع تحديد مستوى الطفل في كل مرحلة فلربما كان العمر الزمني للطفل ذي اضطراب طيف التوحد ست سنوات، ولكنه في عمر 3 سنوات عاطفياً ونمائياً.
رابعاً: الأثر النفسي والتربوي: من الانصياع إلى الدافعية
يتضح لك أيها القارئ العزيز والباحث في مجال التربية الخاصة مدى احترام الطفل وأن هذا النهج يجعل الطفل شريكاً في العملية التأهيلية برغبة حقيقية ودافعية تستمر أكثر من تلك التي تقدم للطفل (كمعزز مقابل استجابة)، وبهذا النهج الإنساني نخفف الضغط عن الطفل ذي اضطراب طيف التوحد وهذا ما تشير إليه الدراسة التي أجراها Liao et al., 2014) ) بأن البرامج التي تحترم قيادة الطفل وتتمركز حول احتياجاته النفسية تؤدي إلى انخفاض حاد في التحديات السلوكية، السبب ليس “القمع السلوكي”، بل “الإشباع النفسي”. عندما يشعر الطفل أن مبادراته محترمة، تتحول طاقته من “الدفاع عن النفس” ضد المثيرات المزعجة إلى “الاستكشاف الاجتماعي”.
خاتمة: نحو ممارسة تربوية أكثر إنسانية
إن نموذج (DIR/Floortime) ليس مجرد أداة علاجية تربوية فعالة فحسب، بل هو فلسفة حياة أتوجه بها إلى المعلمين والاختصاصيين والوالدين بأنه يتوجب علينا جميعاً التواضع أمام عبقرية الطفل الخاصة، واحترام رغباته، ومنها نحدد ونقرر ما يفيده لا ما يجب عليه أن يكون، حيث إنسانية التأهيل تقتضي أن نتوقف عن محاولة “شفاء” اضطراب طيف التوحد، ونبدأ في “فهم” الطفل ذي اضطراب طيف التوحد، وجعل العملية التأهيلية التربوية رحلة مشتركة قوامها الحب والعلم والقبول غير المشروط، لننهي سوياً حقبة قياس الأشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد بالأقران من غير ذوي اضطراب طيف التوحد ونضع حداً لتحدّي المقاربة غير المدروس بينهم وبين غيرهم من الأطفال الذين لا يواجهون تحديات نمائية وتطورية مثلهم.
دعوة لنحترم تفردهم ونصحح مفاهيمنا لتناسبهم ليس العكس…
تقبلوا دعوتي بحب وتدبر
أخوكم/ وليد جابر.
قائمة المراجع (References)
المراجع العربية:
- جرينسبان، ستانلي؛ ويدر، سيرينا (2018). الطفل ذو الاحتياجات الخاصة: تعزيز النمو الفكري والعاطفي) مترجم
- أبو فخر، غسان (2020). سيكولوجية اللعب في التأهيل النمائي للأطفال ذوي التوحد. مجلة الدراسات التربوية والنفسية.
- الناطق، سمر (2022). فاعلية برنامج تدريبي مستند إلى نموذج DIR في تحسين مهارات التواصل الاجتماعي لدى أطفال التوحد. المجلة العربية للتربية الخاصة.
المراجع الأجنبية:
- Greenspan, S. I., & Wieder, S. (2006). Engaging Autism: Using the Floortime Approach to Help Children Relate, Communicate, and Think. Da Capo Lifelong Books.
- Liao, S. T., et al. (2014). Home-based DIR/Floortime™ intervention program for preschool children with autism spectrum disorders: Inventory for Client and Agency Planning (ICAP) results. Physical & Occupational Therapy In Pediatrics, 34(4), 356-367.
- Binns, K. R., & Oram Cardy, J. (2019). Developmental Social Pragmatic Interventions for Preschoolers with Autism Spectrum Disorder: A Systematic Review. Infants & Young Children, 32(3), 139-154.
- Solomon, R., et al. (2014). PLAY Project Home Consultation program improves autism outcomes: A randomized controlled trial. Journal of Developmental & Behavioral Pediatrics, 35(8), 475-485.
























