إعداد اختصاصية العلاج الوظيفي: أسيل عاطف تايه
في عالم سريع الإيقاع، مليء بالمثيرات والأصوات والتغيرات، يحتاج الأطفال إلى مهارة أساسية تضمن لهم التوازن: “التنظيم الذاتي” (Self-regulation). إنها القدرة على التحكم في المشاعر، والانتباه، بما يتناسب مع المواقف اليومية. وبينما تبدو هذه المهارة طبيعية لدى البعض، إلا أن العديد من الأطفال، خصوصاً أولئك الذين لديهم اضطرابات نمائية أو حسية أو سلوكية، يواجهون صعوبة كبيرة في تحقيق هذا التوازن. هنا، يبرز دور العلاج الوظيفي كأداة فعالة لتمكين الطفل من استعادة السيطرة، وبناء استجابات صحية، وتحقيق مشاركته الفعالة في الحياة اليومية.
ما هو التنظيم الذاتي؟
التنظيم الذاتي هو مجموعة من العمليات المعرفية والعصبية والسلوكية التي تسمح للفرد بالتحكم في دوافعه، مشاعره، وسلوكياته بما يتلاءم مع البيئة. يشمل ذلك:
- التحكم في الانفعالات: كأن يتمكّن الطفل من تهدئة نفسه عند الغضب أو الإحباط.
- تنظيم الانتباه: القدرة على التركيز في نشاط معين رغم وجود مشتتات.
- المرونة الفكرية والسلوكية: الاستجابة بطرق مختلفة للمواقف الجديدة أو المتغيرة.
- التحفيز الذاتي: الاستمرار في أداء مهمة حتى عندما تكون مملة أو صعبة.
في السنوات الأولى من حياة الطفل، يتطور التنظيم الذاتي تدريجياً، متأثراً بالعوامل البيولوجية، البيئية، والتربوية. وعندما يواجه الطفل صعوبة في هذا الجانب، تظهر تحديات في السلوك، التعلم، والعلاقات الاجتماعية.
متى نلاحظ المشكلة؟
قد تلاحظ الأسرة، أو يلاحظ المعلمون أن الطفل:
- يبكي أو يغضب بسرعة عند الإحباط.
- يجد صعوبة في الجلوس والانتباه أثناء الدروس أو الأنشطة.
- لا يستطيع تهدئة نفسه عند التوتر أو التعب.
- يرفض الانتقال بين الأنشطة أو التكيف مع التغييرات في الروتين.
هذه ليست علامات “عناد” أو “دلال”، بل قد تكون مؤشرات على صعوبات في التنظيم الذاتي تحتاج إلى فهم وتدخل مهني، لا إلى توبيخ أو تقويم سطحي.
التنظيم الذاتي والعلاج الوظيفي
العلاج الوظيفي لا ينظر إلى السلوك بمعزل عن كل ما يحيط بالطفل، بل يحلّلهُ من منظور شمولي. فكل سلوك لدى الطفل هو استجابة لمثير داخلي أو خارجي، وكل وظيفة يومية تتطلب عناصر من التنظيم الذاتي. لذلك، يتعامل اختصاصي العلاج الوظيفي مع هذه الصعوبات ليس كأعراض يجب إخمادها، بل كدلائل على حاجة الطفل للدعم في بناء قدراته التنظيمية.
كيف يعمل العلاج الوظيفي على دعم التنظيم الذاتي؟
- تقييم شامل لفهم الأساس
يبدأ التدخل بتقييم دقيق يشمل:
- الملف الحسي للطفل (Sensory Profile): لفهم كيف يتفاعل مع الأصوات، اللمس، الحركة، الضوء… إلخ.
- تقييم القدرات المعرفية والتنظيمية.
- تحليل الروتين اليومي والبيئة المحيطة.
- ملاحظة السلوكيات في سياقات مختلفة (البيت، الروضة، جلسة اللعب).
هذا التقييم يساعد في تحديد ما إذا كانت الصعوبة ناتجة عن فرط استجابة حسية، ضعف في التوقيت التنفيذي، توتر دائم، أو مزيج من هذه العوامل.
- تدخلات حسية لتحسين تنظيم الجسم والعقل
العلاج الوظيفي، خاصة في نهج التكامل الحسي (Sensory Integration), يستخدم أنشطة تُحفّز الجهاز العصبي بطريقة منظمة لتساعد الطفل على تنظيم حالته الداخلية. مثال:
- الحركة المنظمة (مثل الأرجوحة أو الزحف داخل نفق).
- اللعب بالماء أو الرمل.
- الضغط العميق باستخدام بطانيات ثقيلة أو أحزمة مرنة.
تساعد هذه الأنشطة الطفل على الوصول إلى حالة “الانتباه الهادئ”، وهي الحالة المثالية للتعلم والمشاركة.
- تعليم الطفل استراتيجيات تنظيم ذاتي
مع تقدم الطفل في العمر، يبدأ اختصاصي العلاج الوظيفي بتعليمه استراتيجيات يمكنه استخدامها بنفسه، مثل:
- طلب “وقت راحة” عند التوتر.
- استخدام بطاقات المشاعر للتعبير.
- تمارين تنفس أو ضغط على اليدين.
- اختيار مكان هادئ عند الحاجة.
هذه الأدوات تمنح الطفل إحساساً بالتحكم، وتمنعه من الانهيار أو السلوك العدواني كرد فعل تلقائي.
- تنظيم البيئة لتقليل المثيرات غير المناسبة
يلعب اختصاصي العلاج الوظيفي دوراً في تعديل بيئة الطفل لتدعم التنظيم الذاتي، مثل:
- تقليل الضوضاء أو الإضاءة القوية.
- استخدام أدوات تساعد في الجلوس بثبات.
- توفير مساحة واضحة للنشاط ووقت الانتقال.
فبدلاً من “تغيير الطفل ليتكيّف مع البيئة”، يعمل العلاج الوظيفي على “تكييف البيئة كي تناسب الطفل”.
- التعاون مع الأسرة والمدرسة
نجاح العلاج يعتمد على توحيد الجهود. لذلك:
- يُدرَّب الأهل على قراءة إشارات طفلهم وتطبيق الاستراتيجيات في البيت.
- تُشارك المدرسة في تصميم تعديلات مكانية وسلوكية تدعم الطفل.
- يُشجَّع الطفل على التعبير عن احتياجاته بطريقة مناسبة.
هذا التعاون يُحسّن من فرص الطفل في النجاح الحقيقي، داخل الجلسة وخارجها.
من المستفيد من هذا النوع من التدخل؟
دعم التنظيم الذاتي مفيد لكل طفل، لكنه ضروري بشكل خاص للأطفال الذين لديهم:
- اضطرابات طيف التوحد.
- اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD).
- صعوبات التعلم.
- اضطرابات التكامل الحسي.
- القلق أو الصدمات النفسية.
ما الفرق الذي يصنعه العلاج الوظيفي؟
حين يتمكّن الطفل من تهدئة نفسه، أو الاستجابة بشكل مرن لتغيير غير متوقع، أو إكمال نشاط حتى النهاية – فهذه خطوات كبيرة نحو الاستقلالية. وحين يشعر الأهل بأنهم قادرون على فهم طفلهم بدلاً من الحيرة أو الإحباط، فإن التنظيم الذاتي يتحول من “تحدٍّ دائم” إلى “مهارة يمكن بناؤها”.
التنظيم الذاتي ليس هدفاً نهائياً… بل رحلة
لا يهدف العلاج الوظيفي إلى إعدادِ طفلٍ “مثاليٍّ” يتصرّف دوماً بهدوء، بل إلى دعم الطفل ليكون قادراً على:
- التعرّف على مشاعره.
- اتخاذ خيارات مناسبة.
- طلب الدعم عند الحاجة.
- التكيّف مع المواقف الجديدة.
وهذه رحلة تختلف من طفلٍ إلى آخر، ولا تُقاس بسرعة الإنجاز، بل بعمق الفهم والتحسّن التدريجي.
خاتمة
التنظيم الذاتي ليس مهارة مكتسبة فحسب، بل هو حق أساسي لكل طفل ليعيش حياة متزنة وذات معنى. والعلاج الوظيفي، بأساليبه المتنوعة ومرونته في فهم كلّ طفلٍ كحالة فريدة، يُقدّم هذا الحق بأسلوب إنساني وعلمي في آن واحد. في عالم يعجّ بالتحديات، فإن طفلاً قادراً على تنظيم نفسه، هو طفل لديه مفاتيح الحياة بيده، خطوة بخطوة.
المراجع
- Bundy, A. C., Lane, S. J., & Murray, E. A. (2002). Sensory Integration: Theory and Practice (2nd ed.). F.A. Davis Company.
- Case-Smith, J., & O’Brien, J. C. (2015). Occupational Therapy for Children and Adolescents (7th ed.). Elsevier Health Sciences.
- Shanker, S. (2016). Self-Reg: How to Help Your Child (and You) Break the Stress Cycle and Successfully Engage with Life. Penguin.
- Murray, D., Lowrey, K., & Croft, L. (2022). “The Role of Occupational Therapy in Supporting Self-Regulation in Children with Disabilities.” Journal of Occupational Therapy, Schools, & Early Intervention.
أسيل عاطف تايه
اختصاصية علاج وظيفي
بكالوريوس في تخصص علاج وظيفي – الجامعة الأردنية | 2014
حاصلة على الترخيص الدولي في التكامل الحسي من جامعة كاليفورنيا الجنوبية USC- SI 1346 | 2019
مدرب دولي معتمد من جامعة ويست كوست الأمريكية | 2019
حاصلة على مجموعة من الدورات المختصة المعتمدة دولياً في المجال مثل: FLOOR TIME، تحليل السلوك التطبيقي (ABA)، COMT , Mulligan’s Technique وغيرها
أعمل كاختصاصية علاج وظيفي في مدينة الشارقة للخدمات الإنسانية منذ 8 سنوات
11 سنة خبرة في العمل مع الأطفال في مجال العلاج الوظيفي.
























