انتقل التنمّر العادي إلى الفضاء الإلكتروني، وبات من السهل على من يمارسون التنمّر ارتكاب أفعالهم. لكن ما يثير القلق بوجه خاص هو أن الطفل الذي يقع ضحية التنمّر لا يجد ملاذاً آمناً سواءً في المنزل أو في أي مكان آخر، فطالما يحمل معه جهازاً متصلاً بالإنترنت، لن يجد أي مهرب من ذلك، وبذلك انتقلت مشكلة كانت تعد في السابق ظاهرة محصورة في نطاق ساحة الملعب المدرسي إلى ظاهرة يمكن أن تحدث في أي مكان وأي زمان بفضل التكنولوجيا.
لقد أثبت الدراسات والتوصيات والممارسات والاستشارات اليومية بوضوح أن: التنمّر التقليدي والتنمّر الإلكتروني لهما آثارهما الصحية والنفسية والاجتماعية السلبية والخطيرة على السلامة العاطفية والعقلية للشخص المتنمر عليه، فالطلبة الذين يتعرضون للتنمّر يحصلون على درجات سيئة في المدرسة، وهم معرضون للإصابة بالقلق وصعوبات النوم والاكتئاب والاضطرابات العقلية والسلوكية والنفسية بشكل أكبر، وأزيد على ذلك أن التنمّر له أثر سلبي على شعور الضحايا تجاه أنفسهم وعلاقاتهم ستتأثر سلباً نتيجة لذلك، والأمر المثير أن هناك علاقة وثيقة ومثبتة أن هذا التأثير يمتد إلى مشاهدة التنمر أيضاً وهذا أثبتته معظم الدراسات التي تناولت هذه الظاهرة الخطيرة حول العالم.

وأشير هنا إلى أنه عادة ما يكون ضحايا التنمّر أشخاصاً يُنظر إليهم على أنهم مختلفون عن الآخرين بطريقة ما. فكيف إذا كنا نتناول التنمر بحق الأشخاص ذوي الإعاقة هذه الفئة من المجتمع التي تحتاج عناية ورعاية واهتمام أكبر ومن نوع خاص، ناهيك عن رهافة أحاسيسهم ومشاعرهم الفائقة.
ومع أن التنمّر غالباً ما يكون حدثاً فردياً، إلا أنه في الواقع قد تكون احتمالات تعرض هذه الفئة للتنمّر أكثر من غيرها مقارنة بالفئات المجتمعية الأخرى.
وأمام هذا الانفتاح التكنولوجي السريع والمتاح لأبنائنا والمعشعش في أركان بيوتنا والراسخ في نفوسنا، حيث أصبحت الشبكة العنكبوتية وكل وسائل التواصل الاجتماعي على مختلف أنواعها جزءاً من يومياتنا ويوميات أبنائنا، كان لزاماً علينا أن نقرع ناقوس الخطر، وأنا هنا من منبر (المنال) أتوجه إلى كل الآباء وأولياء الأمور والمهتمين بالرعاية المجتمعية والسلك التعليمي بتوخي قدر أكبر من الحذر إذا كان أطفالهم ينتمون إلى هذه الفئة واتخاذ احتياطات إضافية للحيلولة دون التنمّر الإلكتروني وتشجيع الترابط الاجتماعي مع الأطفال الآخرين كحل للابتعاد قدر المستطاع عن العزلة التي يعيشها المتنمر عليهم مع هذه الشبكة.
ولأن الوقاية خير من ألف علاج أهمس في مسامعكم ملخصاً لبعض الخطوات العملية التي تساعدنا جميعاً على حمايتهم من التنّمر الإلكتروني:
1) بالنسبة للأطفال، احرص على تقييد إمكانية الوصول إلى جميع أنواع الأجهزة.
2) قم بتفعيل آلية الرقابة العائلية على جميع الأجهزة وحدد الأوقات التي يمكن فيها استخدام الأجهزة.
3) كن منتبهاً لما يشاهده أبناؤكم وما يلعبون به من ألعاب إلكترونية (وسيكون لنا تحقيق مفصل عن أخطار هذه الألعاب في العدد القادم بإذن الله).
4) ينبغي حجب المواقع الإباحية وغير الموثوق بها عن شبكة الإنترنت الخاصة بمنزلك.
5) تأكد من وجود شبكة أصدقاء لدى طفلك يمكنه الاعتماد عليهم أثناء اللعب الجماعي، وأن تكون له علاقات اجتماعية وطيدة معهم ويمكن تحقيق ذلك عن طريق تخصيص مواعيد لممارسة الألعاب أو الرياضة أو أي نشاط آخر، ومن شأن هذا الأمر أن يكون أداة فعالة للغاية في الوقاية من التنمّر الإلكتروني نظراً لكونه يقلل احتمالات أن ينظر الطفل إلى نفسه على أنه شخص مختلف، وذلك لمشاركته في نشاط لا يكون فيه الجميع سوى لاعبين متساوين. كما أنه سيؤدي إلى زيادة احتمالات تدخل الآخرين في حال تعرض الطفل للتنمّر الإلكتروني أو التقليدي، وهذا يتماشى مع ما أثبتته الغالبية العظمى من الأبحاث المتوفرة في هذا المجال.
6) اطلب من المدرسة معرفة تدابير الوقاية من التنمّر الإلكتروني المتوفرة فيها، وفي حال عدم وجود مثل هذه التدابير، اسأل عن السبب.
ماذا نفعل في حال تعرض أبنائنا للتنمّر الإلكتروني؟
إذا كان ابنك يتعرض للتنمّر الإلكتروني، يمكنك اتباع الخطوات التالية:
1) تحدث مع طفلك وامنحه بعض الاهتمام الإضافي. تذكر إخباره بأنه ليس مخطئاً.
2) استمع إلى طفلك لفهم الوضع لأن الإصغاء إليهم هو الأكثر عوناً وحلاً لكل مشاكله وحاول جمع أكبر قدر ممكن من المعلومات وبعدها تحدث مع المدرسين والآباء.
3) لا تتصرف بقسوة، بل حاول فهم الوضع من المرجح أنه سيتم حل المشكلة إذا استوعبت جوانبها وأسبابها وعملت على حلها بهدوء وتروٍ وحكمة.
وتجدر الإشارة هنا للتذكير أن هناك أربعة أنواع رئيسية من التنمر التي أصبحت شائعة في هذه الأيام وهي: الإلكتروني عبر شبكات التواصل الاجتماعي والتحرش والحرق والإقصاء. يشمل التنمّر عبر شبكات التواصل الاجتماعي كافة أنواع التنمّر التي تحدث على هذه الشبكات، ومن بينها فيسبوك وتويتر وغيرها من وسائل التواصل الاجتماعي. أما التحرش فهو تكرار تهديدات سلبية يمكن أن تحدث عبر قنوات مختلفة، سواءً ضمن مجموعات أو بصورة فردية، بدوره يتمثل الحرق في التشهير والإذلال العلني لأشخاص بعينهم، وذلك لكي يراه الآخرون سواء على شبكة الإنترنت أم خارجها.
يحدث الإقصاء عندما يتم تجاهل الفرد أو لا توجه إليه الدعوة لحضور المناسبات الاجتماعية، وبعدها تجري السخرية من الضحية بين أفراد المجموعة دون علمه. يعتبر الحرق أكثر أنواع التنمّر إذلالاً وقد تبقى آثاره مع الطفل أو المراهق مدة أطول من غيره، ويتوقف ذلك على طول فترة استمراره. غير أن الإقصاء قد يكون النوع الأصعب من حيث العثور على أدلة تدل على وقوعه وتشخيصه، لأنه يكاد يكون من المستحيل إثباته.. وتجدر الإشارة هنا إلى أنه رغم تنامي التنمّر الإلكتروني، إلا أن التنمّر الجسدي ظل يشهد تراجعاً بوتيرة ثابتة منذ سنوات عديدة. وإلى جانب أنه كان أكثر شيوعاً في العقود الماضية إلا أنه اتخذ منحى جديد مع التطور الحضاري للمجتمعات.
يبقى أن نتفق جميعاً أن في عالم باتت تسوده التكنولوجيا الرقمية شيئاً فشيئاً، أصبح الآباء وأولياء الأمور والمؤسسات المجتمعية يتحملون مسؤولية مضاعفة تجاه ضرورة عدم الإغفال عن مخاطرها المحدقة.
هذا يعني اتباع نهج استباقي وتقييد إمكانية الوصول إلى الأجهزة وفرض رقابة عائلية مشددة وهذا يتماشى مع توجهات دولة الإمارات العربية المتحدة وقيادتها الرشيدة التي تنبهت إلى هذا الخطر بشتى أشكاله وصوره مما دفعها لعقد مؤتمر خاص بمخاطر الألعاب الإلكترونية في الأيام الماضية ليكون لها الأسبقية في حماية جيل المستقبل من المخاطر المحدقة به واتخاذ الإجراءات التنفيذية اللازمة لمواجهة تحديات هذه الظاهرة في المستقبل.
لكن يبقى النهج الأفضل التعاون المباشر والتفاعلي بين أولياء الأمور سواءً من جهة الضحية أم المتنمّر، على أن تقوم المدرسة بدور الوسيط. كما تكتسب العلاقات الاجتماعية المتينة أهمية قصوى في أي مجتمع، فضلاً عن دورها الحيوي في التنشئة العقلية والعاطفية السليمة للأفراد ضمن هذا المجتمع.
لنكن يداً واحدة في محاربة التنمر بكل أشكاله حتى نحمي جيل المستقبل ونأخذ بيده إلى غدٍ أجمل.
























