المعاق إنسان كغيره يريد أن يحظى بحياة ملؤها الحب والمودة والاستقرار في عواطفه وهذا لا يتأتى إلا بوجود من يقاسمه هذا الحب وذلك من خلال علاقة زوجية طرفاها محبان جمعتهما عاطفة الحب والقناعة بقدرات كل منهما.
يتفق الجميع أن مشوار الشخص المعاق يبدأ عند إكمال تعليمه وتأهيله ليدخل بعد ذلك معترك الحياة ضمن سعيه نحو الاستقلال الذاتي والاعتماد على النفس وبالتالي لا يمنع الشخص من ذوي الإعاقة من أن يفكر بالزواج طالما لديه من القدرة ما يمكنه من القيام بمتطلبات الحياة الزوجية والعاطفية.
ولابد للشخص المعاق أن يدرك أن الحياة الزوجية مسؤولية لها من الوجبات والحقوق ما يجب عليه معرفتها وعليه أن يسأل نفسه هل لي القدرة والاستطاعة ما يجعلني متحملاً للمسؤولية على أكمل وجه…! فهناك من الأشخاص المعاقين الكثيرون ممن استطاع أن يبني أسرة فكانت عزيمته هي الحنان الذي ينعم به أفراد أسرته ومثابرته هي الحماية لهم وإيمانه بقدراته هي الاطمئنان الذي خيم على من يعولهم، وطالما استطاع الشخص المعاق أن يثبت وجوده وسعيه بجد نحو تحقيق ذاته فسوف يحظى بإعجاب واهتمام كل الناس من حوله أما إذا كان متكلاً على غيره فأنّى له أن يحلم بذلك الاستقرار.
نظرة المجتمع للشخص المعاق على أنه غير منتج وغير صالح لتكوين أسرة والخوف من فشل زواجه هي نظرة ازدراء ونقص، الزواج من الموضوعات الحرجة والشائكة للأشخاص ذوي الإعاقة من الجنسين، فالرجل المعوق يواجه أكثر من مشكلة منها عدم قبول الأسر بارتباط بناتهم بشخص معاق رغم عدم وجود أية عوائق حقيقة تمنع هذا الشخص من الزواج ويكون هذا الرفض مبنياً على الشكل العام للمعوق الذي يستخدم كرسياً متحركاً أو يتنقل باستخدام عكازين أو لأنه شخص كفيف أو أصم.. وغير ذلك…

ومن المشاكل الأخرى مغالاة بعض الأسر في قيمة المهر المطلوب بدعوى ضمان حقوق ابنتهم إن لم يستمر هذه الزواج في المستقبل، بالإضافة إلى متطلبات الزواج الأخرى مما يضع الشخص من ذوي الإعاقة دائماً في حرج وخاصة أن راتب معظم الوظائف المتاحة للكثير من المعوقين ليس كبيراً.. يضاف إلى ذلك عدم إقبال الفتيات على الارتباط بشخص ذي إعاقة رغم أنه قد يكون أخلاقيا ونفسياً أفضل بكثير من أشخاص غير معاقين.
أما بالنسبة للفتيات ذوات الإعاقة فالمشكلة أكبر فهن موضع عدم قبول دائماً ـ إلا فيما ندر ـ من الشباب الذين لا يرغبون في الارتباط بفتاة ذات إعاقة رغم عدم وجود ما يمنع زواجها من حيث القدرة على الإنجاب أو القيام بمسؤولياتها الأسرية من رعاية المنزل وتربية الأطفال.
وبذلك يكون الزواج حق لكل إنسان سواء كان معاقاً أو غير معاق. ويجب أن تتغير النظرة الدونية نحو الشخص المعاق وتتغير أفكارنا واتجاهاتنا لكي يحيا الأشخاص ذوو الإعاقة حياه كريمة. وهناك نماذج كثيرة من زواج ذوي الإعاقة استطاعت فعلاً تحقيق ذلك الاستقرار المنشود وتغير النظرات القاصرة لدى المحيطين بهم.
التقينا بتجربة حية وحقيقية من نماذج زواج ذوي الإعاقة وتجربتهم الناجحة التي ننقلها لكم وللمجتمع والأسرة من خلال الإجابة على العديد من التساؤلات، الأستاذ محمد صالح الزبيري من ذوي الإعاقة البصرية (كفيف) هو قائد فرقة النسيم الموسيقية عضو الفرقة الوطنية بوزارة الثقافة اليمنية عضو جمعية رعاية وتأهيل المكفوفين متزوج من معاقة حركية وله منها أربعة أبناء وهي زوجته الأولى، ومن كفيفة ليس له منها أبناء هي زوجته الثانية وقد تحاورنا معها وهي الأستاذة هدى علي العباسي عضوة بجمعية الأمان لرعاية وتأهيل الكفيفات طالبة في المستوى الثالث بكلية الإعلام جامعة المستقبل تم التطرق معها إلى مشكلة زواج ذوي الإعاقة والمشاكل التي تواجههم ومنها نظرة الأسرة والمجتمع غير الواعية فيما يتعلق بأحقية ومشروعية زواج الأشخاص ذوي الإعاقة وتغيير تلك النظرة القاصرة التي تنبع من منظور الشفقة والرحمة، والتي تتمثل في عدم قدرته على تحمل المسؤولية ونظرة المجتمع الخاطئة بأن المرأة المعاقة لا تستطيع أن تؤدي واجباتها الأسرية على أكمل وجه، وقد أجاب الأستاذ محمد والأستاذة هدى على كل هذه الأسئلة إجابات وافية وشافية وبددا كل تلك المخاوف التي ما زالت رهينة تفكير الكثير من الأسر، والتي ما زالت لديها الكثير من الأفكار المغلوطة والخاطئة التي تحطم من نفسيات أبنائها وبناتها من ذوي الإعاقة والتي قد يعللها الكثير منا بخوف تلك الأسر على أبنائها من ذلك المستقبل القادم والذي لا يعلمه إلا الله.
وللأمانة، تعلمت اليوم الكثير من الزوجين العزيزين وبرغم أن هدى العباسي هي الزوجة الثانية إلا أن صدق المحبة ودفء المشاعر كانت هي السائدة طوال فترة اللقاء.
كانت هذه تجربة حياتية حقيقية لنموذج من الأزواج من ذوي الإعاقة، تقول هدى: يعتبر محمد بالنسبة لي هو الأمان والملاذ الذي احتمي به وجدت فيه الطيبة والحنان الذي كنت أحلم به، هناك تفاهم كبير بيننا وكذلك هو مع زوجته الأولى، وبالعكس قد نسميه انسجام الإعاقة التي وإن اعتبرها البعض عائقاً فهي غير ذلك بل قربت بيننا الكثير وأشعرتنا بالأمان… أحاول أن ألبي كل طلباته الحياتية والمنزلية ولا ينقصنا شي وإن كان هناك تقصير في بعض المهام فمحمد يعذرني كثيراً، ويحاول أن يوجهني إلى عمل الأفضل وبقدر الإمكان أحاول أن أوفق بين واجباتي المنزلية وبين دراستي في الجامعة والحمد لله أنا الأولى في التحصيل العلمي وأتمنى أيضاً أن أكون الأولى في حياتي الزوجية.
محمد الزبيري من جهته يقول إن نظرة المجتمع والأسرة تتم بناء على عادات وتقاليد خاطئة غير مبنية على أي أساس… من أهم الأشياء على الإطلاق الحب، لأنه هو الرابط الحقيقي والذي يحتاج إليه الإنسان قبل كل شي فلا معنى للحياة الزوجية دون الحب.
وحول زواجه من فتاة لديها إعاقة سواء الأولى وهي ذات إعاقة حركية أو الثانية وهي كفيفة فقال زوجتي الأولى من ذوات الإعاقة الحركية ولي منها أربعة أبناء لها معزة خاصة وبالعكس من حبها لي لم تمانع أبدا من زواجي الثاني طالما أن ذلك يشعرني بالارتياح والحمد الله كل شي على ما يرام ولكل من زوجاتي لها ميزة وخاصية تميزها عن الأخرى، واختتم محمد الزبيري اللقاء قائلاً: لا يمكن لي أن أبقى في البيت لحظة واحدة من دون زوجاتي.
إذن، زواج الأشخاص ذوي الإعاقة وان بدا لدى البعض أمراً يحتاج إلى شروط أو ضوابط أو قد تواجهه بعض الإشكاليات، نقول عديدة هي التجارب الناجحة التي تغير كل تلك النظريات الخاطئة، وعلينا جميعاً أن نساهم في مساعدتهم عن طريق نشر الوعي في المجتمع المحيط بنا، وتخليص مجتمعنا من تلك النظرات التي يرمقون بها الأشخاص ذوي الإعاقة ، فهم ليسوا بحاجة لمشاعر الشفقة والمعاملة الخاصة المؤلمة، بل إلى وقفة صادقة وفاعلة تشد من أزرهم وتقف معهم بالدعم المعنوي والنفسي الذي يعينهم على تحقيق رغباتهم وأمانيهم وأهمها هو الزواج والاستقرار.
























