ترى أي عصر هذا الذي نعيشه؟ هل هو عصر الجنون.. أو عصر العلم والتكنولوجيا.. إننا قد نختلف على الصفة التي نصف بها العصر ولكنه دون شك عصر غريب.. يشعر فيه الإنسان بالاغتراب داخل مجتمعه وداخل أسرته بل لا أغالي إن قلت إن اغتراب الإنسان يتغلغل داخل نفسه ذاتها ويسكن في أغواره..
إن الشعور بالأمان والاستقرار بات شيئاً غريباً غير مألوف، لقد خمدت جذوة الإنسانية والشعور الدافىء بالصداقة والأخوة وأصبح الإنسان يهيم في قفر خاو يحاول جاهداً أن يتغلب على الضياع داخله فيتلفت وراءه فإذا المذاهب والنظريات تتهاوى كأطلال بالية.. وهذا الطريق أمامه قد تخللته الصعاب وتفرقت به السبل فضاع الطريق من قدميه.. إنها صورة قد تبدو متشائمة سوداوية ذات ظلال داكنة لكنها دون شك وبكل الأسف حال واقعنا اليوم..
أن بعض علماء النفس يعتبرون إنسان اليوم مصاباً بما يسمى (الانفصام البسيط) وأن شخصية هذا الإنسان سيكوباتية تميل إلى العدوان والانفجار لأتفه الأسباب.. والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح.. لماذا؟.. لماذا هذا هو حالنا اليوم؟.. وكيف نستعيد نفوسنا المطمئنة الهادئة.. كيف نصل إلى حالة الاستقرار والأمان.
الحقيقة إن الإجابة تتطلب منا وقفة طويلة.. نقتحم داخلنا بكل مصداقية.. ونلج جانباً مهماً من النفس، هذا الجانب هو ما نطلق عليه الشعور بالنقص أو ما يسمى بمركب النقص.. ولعلنا نتساءل.. وما هو الشعور بالنقص؟.. إنه ببساطة الشعور بالدونية.. أنت تشعر بأنك أقل من الآخرين.. ليس ذلك فحسب بل إن هذا الشعور يغوص في أعماقك حتى يؤثر في سلوكك وحياتك كلها.. ونراك بعد فترة وقد صرت منطوياً على نفسك تخشى المواجهة وتمضي حياتك إلى محصلة سلبية باستمرار.. إن هذا الخاطر بأنك أقل من سواك يلح عليك باستمرار.. ويمكننا أن نؤكد أنه ما من إنسان إلا وقد أحس خلال حياته بهذا الشعور بالدونية وبأنه أقل من الآخرين إلا إن الشخص في أحواله العادية هو الذي يحول هذا الشعور إلى قوة دفع إيجابي فيصل إلى غايات وأهداف عظيمة.. فهذا طه حسين يتحول إلى عميد للأدب العربي رغم أنه كفيف البصر.. وبيتهوفن ذلك الأصم الذي لا يسمع نراه يملأ الدنيا موسيقى وأنغاماً مبدعة.. وغير هؤلاء كثير وكثير..
إذن يمكننا أن نقول بشيء من الحذر أن الشعور بالنقص إحساس فطري يغوص داخل كل فرد منا بدرجات متفاوتة، إنه أحد مكونات نفوسنا، وكل إنسان لابد وأنه قد صادفه هذا الإحساس في فترة ما من حياته.. فمن منا لم يفشل.. من منا لم يصبه الإحباط في عمل قام به أو تجربة مر بها.. من منا لم يمرض وأقعده المرض زمناً.. إنه شعور عابر لا يلبث أن يمضي دون أن يترك أثراً.. لكنه إذا لمس في النفس ضعفاً فإنه يطيب له المقام ويبدأ في بث سمومه وتحطيم صاحبه.
إننا جميعاً نعاني في فترات حياتنا بالشعور بالنقص ويترسب داخلنا الإحساس المرير بأننا أقل من الآخرين، بل قد يبالغ البعض فيتصور أنه لا يصلح لشيء على الإطلاق.. ونحن نعتقد أن هذه المشاعر هي التي ساعدت البشرية على صنع الحضارة، لأن الرغبة في التجديد والابتكار.. والتاريخ يخبرنا بالكثير عن الذين عالجوا شعورهم بالنقص بأنهم أثبتوا لأنفسهم قبل أن يثبتوا للآخرين أنهم عباقرة وأن إرادتهم أقوى من أي نقص.. وقد سجل التاريخ علماء وعباقرة كانوا ممن لديهم حالات الصرع والصمم والكفف وغيرها مما رمتهم بها المقادير ولكنهم استطاعوا بكل قوة وعزيمة وإصرار وإرادة التغلب عليها وأصبحوا مشاهير خلدوا وتركوا بصمات.
ولابد من حقيقة تقال إن الشعور بالنقص ليس مهماً في حد ذاته، لكن هو نظرتنا إلى هذا الشعور وبتفاعلنا معه.. فإذا كانت نظرتنا إلى هذا الشعور تتسم بالشجاعة والإرادة فإنها يمكن أن تصنع إنساناً متميزاً، أما إذا ضعف الإنسان أمام هذه المشاعر وجعلها تتغلغل داخله وتسيطر عليه فإنه سيجد نفسه في نهاية الأمر شخصاً ضعيفاً مهزوزاً يعيش في الظل على هامش الحياة.
لذا فإن الشعور بالنقص بمثابة الجندي المجهول وراء العديد من الأعمال الإنسانية المبدعة، لقد كان كلمة السر التي فتحت بوابة الخلود أمام الكثيرين، لقد كان هذا الشعور حافزاً لهم ودافعاً على اقتحام الحياة وتقويض صرح هذا الشعور.. إنه نوع من المقاومة الإيجابية الذي يستمد قواه من إرادة الحياة والرغبة في التفوق والنجاح.
وعلى الإنسان أن يفكر ويمعن فيما أسبغه عليه الله سبحانه وتعالى من نعم الدنيا على أساس المقارنة بينها وبين نصيب غيره فإن ذلك يقتل فيه الشعور بالسعادة.. فمن واجب المرء أن يتمتع بالنعمة دون نظر أو تفكير في أن نصيبه أقل من نصيب هذا أو ذاك.
























