سؤال يلح عليّ كلما ضج بالشكوى بعض إخواننا المعاقين وغيرهم من غير المعاقين حين يقدم من يتعامل مع معاق على تصرفات مشحونة بالشفقة، سخية بالعطف.
شخصياً أتفق أن هذه الشكوى وجيهة بشكل عام، لكن في اعتقادي أن في الأمر تفصيلاً؛ فالصحابي الجليل ابن أم مكتوم كان كفيفاً أعفي من المشاركة في القتال بقرآن يُتلى؛ لأنه واقعياً لا يمكنه المشاركة في العمليات القتالية المحتدمة إلا متعرضاً لخطر بيّنٍ يتهدد حياته، من دون أن يكون للمشاركة أي فائدة،
لكن ابن أم مكتوم نفسه لم يُسمح له بالتخلف عن صلاة الجماعة في المسجد طالما أنه يسمع النداء، وترك له اتخاذ الوسائل التي تمكّنه من تطبيق هذا التوجيه النبوي المباشر.
كلا الموقفين ـ على ما فيهما من تباين ـ يعكسان ـ في اعتقادي ـ حالة تطبيقية للشفقة الإسلامية بالمعاقين؛ فالشفقة ـ كما أفهمها ـ ماء منساب يروي مساحة في دواخلنا تفيض على وجوهنا وتصرفاتنا تجاه من حولنا؛ تتحول الحياة معها رحيمة السمات إنسانية الملامح، وهي ـ أي الشفقة ـ سلاحنا الذي به ننتصر على قسوة الحياة وشراستها.
لكن هذه الشفقة التي تقينا وعثاء سفر الحياة الطويل لن نجني ثمارها إلا إذا كانت عاقلة، تصرف بحساب، وتنزل في موضعها وتوقيتها اللائقين، وهي بذلك تكون مختلفة عن تلك الشفقة الجموح التي تسوقها العاطفة منفلتة من أي ضابط؛ فتفسد من حيث تريد الإحسان وقد تؤذي وإن كان دافعها أحسن النيات وأطيبها.
نعم يعرف رسول الإنسانية ـ الرؤوف الرحيم كما وصفه المولى ـ متى تستخدم الشفقة، مؤدية هدفها لمعاق ينبغي أن تصان حياته من الحرب الضروس التي لا يمكن أن يجابهها بعينيه المنطفئتين، لكن ينبغي ـ أيضاً ـ وبالقدر نفسه من الحزم أن يؤدي الصلاة ضمن نسيج اجتماعي شفقة من أن ينعزل في بيته، إلا أنها أيضاً وسيلة ضرورية للاندماج الاجتماعي، ومعانقة الحياة في حركتها المتداخلة.
من هنا ـ وضمن هذا الفهم الإسلامي الراقي لمجال تطبيق الشفقة في حالات الإعاقة ـ استشعر كم يعاني المعاقون ـ وقد ذقت ذلك بنفسي ـ عندما يهب مثلاً بعض الناس لإجلاسهم إذا رأوهم واقفين، حتى لو لم يكونوا متعبين، أو مساعدتهم على تناول شيء يستطيعون بسهولة أن يتعاملوا معه بأيديهم، ولو ترك العنان لهؤلاء المشفقين فربما أعفونا ـ نحن المكفوفين ـ حتى من صلاة الجمعة!
























