أيهما أخطر..؟ الإعاقة الجسدية أم الإعاقة النفسية! راودني هذا التساؤل كثيراً وشغل تفكيري، رغم أن الإجابة عليه قد تبدو ـ أو هي كذلك ـ سهلة وواضحة لدى كل من تطرق مسامعه، لكن سؤالي هذا يبحث عن مغزىً آخر تماماً.
يتحدث كثيرون عن الإعاقة وأقسامها، وأقصد الحسية منها أو ما يعرف بالإعاقات الحركية والتي تؤدي إلى عدم القدرة على الحركة الطبيعية لهذا العضو أو ذاك في الجسم، ناهيك عن الإعاقات التي نسميها الإعاقات العقلية.. الخ، تلك الإعاقات بمسمياتها المختلفة والمصطلحات الدالة عليها والتي نتحرى بها أن تقع وقعاً خفيفاُ على النفس هي مجرد خطوة في توصيف ومعالجة الإعاقة تأتي بعدها مرحلة البحث عن الوسائل المساعدة والتي من شأنها رفع مستوى الشخص ذي الإعاقة ومساعدته في كيفية التكيف داخل أطر المجتمع ليتحول من قوة أو طاقة معطلة وكامنة إلى طاقة متحركة منتجة، وذلك مهم لدرجة توجب على أي مجتمع معالجتها.
مكمن الخطورة في هذه القضية برمتها مرتبط بتحديده لفهمنا لمعنى الابتلاء الرباني، فالمولى عز وجل ما ابتلانا إلا بغرض الامتحان وله في ذلك حكمة، وما علينا إلا الحمد متحلين بقوة الإيمان والصبر على ما ابتلانا به الله، ولا نفعل كما كانت أمم غابرة تفعل حيث كانوا يقتلون ويدفنون أصحاب الإعاقات، ربما كون تلك الحضارات كانت تعتمد على قوة السواعد وثبات الأقدام وسرعة البديهة، للدفاع عن النفس وعن الجماعة، لكن ومع مرور السنين اختلفت الموازين وتهذبت الأخلاق بالرسالات السماوية، ومع قدوم الإسلام عرفت هذه الفئة معنى الكرامة الإنسانية، وما أحب قوله هنا أننا وبحمد الله وفضله ننعم بنعمة الإسلام وعظمته وسماحته، فلم لا ندرك أن إعاقتنا ابتلاء لنا وأن علينا ممارسة حياتنا بشكل طبيعي معتمدين على أنفسنا ما استطعنا إلى ذلك سبيلا، تاركين عبارات التواكل والعجز وراء ظهورنا، من مثل قول بعضهم: (لماذا أنا معاق! لماذا لم أمت قبل أن آتي إلى هذه الدنيا…الخ)، وغير ذلك من العبارات التي إن دلت على شيء فإنما تدل على العجز الكامل والحاجز النفسي الذي ينبغي إزالته، وما بال بعض الأشخاص من ذوي الإعاقة يتأففون من حالهم، ألا ينظرون لبعض مزدوجي الإعاقة ممن أثبتوا أنفسهم وقدراتهم.
الجانب الصعب في الموضوع يتعلق بالمجتمع المحيط وبعض أفراده ممن يؤذون نفسية الشخص ذي الإعاقة بنظرتهم الدونية له، ما يسبب له إحساساً بالنقص والعجز في القدرات.
للأسرة أيضاً دورها كنواة أولى في المجتمع، لذلك هي من تزرع الثقة في نفسية ابنها بعدم تهميشه وإعطائه الثقة الكاملة، فيما يؤدي العكس إلى مردود سلبي على نفسية الشخص ذي الإعاقة ما يلبث أن يتحول إلى مقارنة حاله ككل وحالة جسده خصوصاً مع غيره من الناس فينشأ الشعور بالنقص وتتضاءل القدرة على التكيف مع المواقف الجديدة فتضمر قدراته ويتكون حاجز نفسي بينه وبين بيئته، فينكمش على نفسه لشعوره بالاختلاف، وينسحب من مجتمعه وأسرته ويفقد الانتماء لهما، بل حتى قد ينقلب ضدهما، فيصبح عدائياً ساخطاً.
هذه رسالة موجزة أتركها يا أحبتي بين أيديكم لنتفكر فيها واضعين نصب أعيننا جميعاً عظمة وحكمة المولى عز وجل، وما علينا إلا أن نتوجه له بالحمد سبحانه وتعالى.
























