كعادتي أمضي مع مرافقي أول كل شهر إلى المصرف لاستلام الراتب، متهيئاً للسيناريو المألوف: يستأذن لي مرافقي من الصف الممتد أمام الصراف، يستعطفهم بالصوت الخفيض تارة، أو بما أحسه من إشارات بيديه أحياناً أخرى، ثم يتراجع الصف العطوف لأكون أنا المكفوف أوله؛ أستلم راتبي في لحظات، ثم أمضي ومن معي من دون أن تفوته الفرصة في استلام راتبه هو أيضاً.
ذات بداية شهر كنت على موعد مع أمر مختلف؛ شخص في مكان ما ضمن الصف الممتد أمام الصراف علا صوته فجأة: كلنا لدينا ظروف، فلينتظر دوره..
أحسست بما يشبه الصفعة، وتراجعت لأكون آخر الصف، وسط عبارات التعزية من بعض الواقفين المغتاظين من تصرف هذا الذي لا يقدّر للإعاقة قدرها.
كنت في داخلي أجمع بين شعورين متناقضين؛ سخط على هذا الذي كلفني ورفيقي مشقة الانتظار والتأخير، ورضا بما فعل، لأنه في الحقيقة جعلني أعيد ترتيب أوراقي في شأن خاص بالإعاقة يثير على الدوام جدلاً محتدماً؛ وهو دمج المعاقين في الحياة العامة، كلما تعسفت جهة توظيف فحرمت معاقاً مؤهلاً من الحصول على وظيفة مستحقة، أو ضاقت مدارك بعض مسؤولي الجامعات عن قبول معاق في تخصص يرغبه ويملك أدوات الإنجاز، بل والتفوق فيه.
وتساءلت بيني وبين نفسي جاداً: لماذا نملأ الدنيا ضجيجاً منادين بدمجنا ـ نحن المعاقين ـ في المجتمع، ثم لا نجد حرجاً وربما نشعر بالارتياح إذا ميزنا الآخرون بخدمة أو تجاوزوا لأجل إعاقتنا القوانين.
























