لو نظرت حولك سوف تجد الألوان الخضراء والحمراء والصفراء وكل الألوان التى تعرفها، فهل سألت نفسك ماذا يحدث لو أنك لا تعرف هذا اللون هل سوف تراه عندها؟
بالطبع سوف تجيب بنعم لأن هذا المثال واضح جداً.
لكن لو أنك لم تجرب إحساساً ما من قبل مثل أنك تضحي من أجل الآخرين أو تحب، سوف تنطلق مباشرة في قول إنه لا يوجد حب في هذه الدنيا ولا تضحية إنما هي في الأفلام فقط، من المؤكد أنك سمعتها كثيراً قبل ذلك ويمكن أن تكون قد استغربت منها.
ولكن عندما تتعرف على آلية عمل العقل وآلية التفكير وجوانب العقل الإنساني سوف تجد أنها ليست بالغريبة على هذا العقل الذى أبدعه الخالق سبحانه وتعالى.
إنطلاقا من مبدأ أنه لا يوجد حب في هذا العالم سوف تجد أن الشخص الذى يرى داخل نفسه بعقله يقول هذه الكلمة بإيمان تام: لا حب في هذا الزمن!! إنه يحكم بعقله وبما يراه هو.
لعلك تعرف أن هناك بعض الأمراض التى تصيب الإنسان بما يسمى عمى الألوان إذ لا يرى البعض الألوان مع أنها موجودة! ولعلك تعلم أيضا أن هناك ما يسمى بالإستيجماتيزم في العين وهو خلل يجعل الإنسان أما أن يرى الخطوط العريضة فقط أو الخطوط الطويلة فقط.
من الممكن أن تقول إن عقولنا قد تصاب بالنرجسية الفكرية أي الصحيح هو ما أراه انا..
انظر إلى ذلك الإنسان المحروم الذي لم يجرب ما يسمى الحب في حياته نشأ في أسرة تحرم عليه الحب وتحلل معاملة العنف والقسوة ولا تعبأ بإحتياجاته ولا رغباته ولم يعرف فيها معنى الحضن الأبوي وانشغلت عنه والدته بأشياء تافهة.
قد تجد أن هذا الإنسان في داخله عالم لا يعرف فيه الحب ووضع كل هذا بداخله فيما يسمى بالعالم الداخلي.
إن في داخل كل منا عالم داخلي وهي ليست فكرة حديثة استحدثها علماء النفس، ولو رجعنا إلى التراث العربي سوف نجد أن ابن رشد عندما أراد أن يناقش فكرة القضاء والقدر تكلم عما يسمى بالعالم الكبير الخارجي والعالم الصغير الداخلي وأننا نحن البشر نتحكم بالعالم الداخلي والله سبحانه وتعالى يتحكم بالكون الأكبر الخارجي.
ولعل بعض علماء الفيزياء تحدثوا أيضاً عما يسمى بالأشياء الثابتة والأشياء الثانوية، كما أن اللون والرائحة والطعم هى أشياء ثانوية لو لم توجد لما كانت هناك مشكلة فمثلا إذا لم تستطع أن تشم رائحة العصير مثلاً فهذا لا يؤثر في أن العصير موجود بالكمية نفسها.
وبتمثيل ذلك على العقل سوف نجد أننا لا نتكلم عن فكرة أشياء موجودة أو غير موجودة في العالم أو الواقع إنما هي كذلك متغيرة بالنسبة للشخص.
فلو عرفت مثلا أن الحب موجود بالعالم لهذا الشخص الذي تحدثنا عنه لن يصدقك لأنه لم يعرفه وعندما يراه فعليا على الواقع وبعد معاناة الشك والحيرة والقلق تجده قد يصدقه بعد فترة من خلال مراحل عديدة يمر بها.
لكن المشكلة ليست في هذا إنما هو لن يستطيع أن يصدقك في كل شيء تقوله مالم يوافق عالمه الداخلي، والأخطر أنه قد كون حدوداً ومعايير معينة لاستقبال ما يريده فلو كانت الأفكار تؤيد بالفعل ما يعتنقه فسوف تجده يتقبلها بل وينجذب إليها، وإذا كانت غريبة فسوف يتجاهلها، وأنت بهذه الطريقة قد تعرضه لخطر قد يهز كيانه، وأنت بكل بساطة تقول له إنك كنت على خطأ كل هذه السنوات التي مضت.
لذلك فإن العلاج النفسي لا يتم بهذا الشكل النمطي؛ شخص يقوم بإقناع شخص آخر، إنما يكون بتغيير صورة العوالم الداخلية في داخل الفرد التي استمرت معه لسنوات طويلة، وربما قد تكون أدت به إلى الإنهاك والتعب ومن الممكن أيضاً أن يكون قد تكيف معها، وهنا تكمن صعوبة تغييره.
إن الفرد الذي يجد نفسه منبوذاً من العالم كله ليس بالضرورة منبوذاً فعلياً أو هو مريض نفسي.. والمسألة أيضا ليست بهذه البساطة.
لكنك قد ترى أن هذا الشخص قد استقبل كل ما رآه وما أحس به وما انفعل معه على ما يوافق هواه وقد تم تشويهه قبل أن يتم إدخاله إلى الداخل..
استعرض حياتك أمام عينيك وفكر في كل صدمة قد مررت بها وفي كل مواقف حياتية ومواقف مصيرية مررت بها أو أعتقدت أنها كذلك.. فكر؛ انقل معاييرك إلى وعيك دعها أمامك على الطاولة واسأل نفسك هل كانت هذه الكارثة مصيبة بالفعل أم أنك أنت من استقبلها كذلك! وقد يوضح لك هذا لماذا كان البعض يستغرب تصرفاتك في الموقف الفلاني أو يستغرب تصرفك وسلوكك في الموقف الآخر.
قد تجد أنك إذا راجعت كل مواقف حياتك أن هناك موقفاً وجدته غريباً فاسأل نفسك هل هذا لأنه كان لا يوافق ما تعلمته، وما بداخلك هل كان كذلك لأنك لم تجربه من قبل أم لأنك قد شوهته وحرفته قبل أن تسمح له بالوصول إليك!!
هل هناك أشياء عديدة لم ترها لأنك قد شاهدت ما تريد أن تراه فقط..
هل صديقك الذي تشاجرت معه هو فعلا شرير!
هل يكرهك أخوك ويحقد عليك ويغير منك فعلا!
هل يفضل والدك إخوتك عليك!
هل أنت صحيح فيما تراه دائماً!
علماء النفس التحليليون يشترطون دائماً أن المحلل النفسى لا بد أن يخضغ أولا للتحليل تحت أحد المحللين الأقدم منه والذي هو بالضرورة قد تعرض للتحليل على يد محلل آخر.
لكن فرويد مؤسس مدرسة التحليل النفسي كان يجلس دائماً مع نفسه يراجع تصرفاته وسلوكياته ويعيها ليغير ما يراه بحاجة إلى التغيير.
إذن حاول أن ترى نفسك أو كما قال سقراط إعرف نفسك.
























