حين يلف الظلام الساحر وينحسر الضوء شيئاً فشيئاً يكتسي المشهد السينمائي حلة زاهية حتى قبل أن يبدأ العرض، هكذا تسرب إلي هذا الشعور اللذيذ وأنا أمضي الدقائق الأولى في انتظار فيلم أعادني إلى زيارة السينما بعد طول انقطاع، ربما كان لنا نحن المكفوفين سحر الظلمة السينمائية أزهى لأنه يحقق ولو لبعض الوقت وبشيء من التجاوز نوعاً من المساواة مع المبصرين.
حدثان تضافرا لإنعاش ذاكرتي السينمائية الآن، الأول: الضجة التي صاحبت عرض الفيلم طريف الاسم «أنا بحب السينما» والذي رأيته عبر عن عشق قديم لا يزال يسكنني منذ كنت طفلاً ألاحق ببصري المتواضع وقتها أفلام الكاراتيه، والثاني: حضوري ملتقى للسينما والإعاقة عشت أيامه الثلاثة في شؤون وشجون تستحق وقفات في حلقات أبدأها بهذا المشهد.
في أحد أيام الملتقى رزقت برفيق جاورني مدة حضور عرض فيلم أجنبي محاولاً بإتقان عال ترجمة كل ما يدور في الشاشة إلي من مشاهد بصرية بتفاصيلها، والترجمة المكتوبة أسفل الشاشة مع نقل كل ذلك بصوت لا يزعج من حولنا مختصر العبارات ومفيدها كي لا يفوتني شيء حتى إنني لا أبالغ إذا قلت أنه مشكوراً استطاع إدماجي إلى حد بعيد في أجواء الفيلم.
إلى جواري جلس كفيف زميل بدا أقل حظاً إذ ابتلي بمرافق فشل في ربطه بمجريات الأحداث السينمائية الدائرة أمامه أدركت هذا من استراق السمع من حين إلى آخر إلى الحوار بينهما، المترجم باختصار كان ينقل أحداثاً أخرى لا علاقة لها بما نشاهد.
شعور مختلط داهمني وقتها إشفاق على زميلي الكفيف الذي وقع ضحية بؤس ترجمة مبصر، وسرور بتمكني من حضور فيلمين في وقت معاً إحداهما حقيقي والآخر متوهم.
ولكن ما أدراني أنني كنت حقاً أتابع الفيلم بترجمة حقيقية، أوليس من الجائز أن أكون أنا المشاهد البائس الشقي بترجمة زائفة، هاجس يشعرني وأبناء عقدي بمدى احتياج دور السينما والقائمين عليها عندنا لاستحداث آليات تمكننا من حقنا في متابعة حقيقية ونقل أمين لفن مهما حدث سنردد في حقه قول طفل ملهم: «أنا بحب السينما».
























