منى عبد الكريم اليافعي
حديثُنا عن مرحلةِ ما بعد الثانوية لا ينطلقُ من فراغ، بل يستندُ إلى مسيرةٍ طويلةٍ من العملِ المؤسّسيِ المتواصل في مجالِ التعليمِ الدامج. فمنذُ تأسيسِ مدينةِ الشارقةِ للخدماتِ الإنسانية عام 1979، وضعت المدينةُ دمجَ الأشخاصِ ذوي الإعاقةِ في صميمِ رؤيتها، انطلاقًا من إيمانٍ راسخٍ بأنَّ التعليمَ حقٌّ أصيلٌ لا يقبلُ التجزئة.
اقرا ايضا: بناءُ الجسورِ نحو التعليمِ العالي في الدمج
وفي عام 1995، بدأت المدينةُ دمجَ الأشخاصِ ذوي الإعاقةِ البصريةِ والسمعيةِ في المدارسِ العامة، بالتوازي مع جهودِها في دمجِ الأشخاصِ ذوي الإعاقةِ الحركية، والعملِ على تهيئةِ البيئاتِ العمرانيةِ الداعمة، بما يضمنُ سهولةَ الوصولِ والتنقّل.
واستكمالًا لهذه المسيرة، ومع اعتمادِ أحدثِ الممارساتِ العالمية، عملت المدينةُ منذ عام 2006 على دمجِ الأشخاصِ ذوي الإعاقةِ الذهنيةِ واضطرابِ طيفِ التوحّد، من خلال متابعةٍ دوريةٍ تقومُ بها فِرَقٌ متخصّصة، بهدفِ تحقيقِ أفضلِ النتائجِ الأكاديميةِ والاجتماعية.
وتأكيدًا على قناعتها بأنَّ الدمجَ ليس نموذجاً تربوياً فحسب، بل ثقافةٌ مجتمعيةٌ شاملة، أنشأت المدينةُ عام 2017 وحدةَ التعليمِ الدامج، لترسيخِ هذا المفهومِ على المستويين النظري والعملي.
وحتى يومنا هذا، تمكّنت المدينةُ من دمجِ 713 طالباً وطالبةً من ذوي الإعاقة في المدارس، بالتعاونِ مع شركائها في المؤسساتِ التعليمية، مساهمةً في بناءِ نظامٍ تعليميٍّ شامل، يعزّزُ حقوقَ الأطفال، ويوفّرُ بيئاتٍ تعليميةً محفّزة، تتماشى مع رؤيةِ إمارةِ الشارقة في التعليمِ والقراءةِ والتعلّمِ المستمر.
على الرغمِ من هذه الإنجازاتِ النوعية، يظلّ التحدّي الحقيقي اليوم ليس في إتاحة التعليم فحسب، بل في ضمان استمراريته وجودته وعدالته، ولا سيّما في مرحلةِ ما بعد الثانوية، التي تُعدّ مرحلةً انتقاليةً دقيقةً وحسّاسةً للعديدِ من الطلبةِ ذوي الإعاقةِ وأسرهم.
ومن خلال خبرتنا الميدانية، نلاحظُ أنَّ الانتقالَ إلى التعليمِ العالي لا يزالُ يواجهُ جملةً من التحديات، من أبرزها:
تفاوتُ سياساتِ القبول
واختلافُ جاهزيةِ البيئاتِ الجامعية
وتعدّدُ نماذجِ الدعم
وغيابُ المساراتِ الواضحةِ التي تربطُ التعليمَ بسوقِ العملِ بصورةٍ مستدامة.
ومن هذا المنطلق، هدفت الندوة الحوارية “ما بعد الثانوية: بناء الجسور نحو التعليم العالي في الدمج”، التي نظمتها مدينة الشارقة للخدمات الإنسانية بالشراكة الاستراتيجية مع جامعة الذيد إلى تجاوزِ التشخيص، وطرحِ سؤالٍ جوهريّ:
كيف ننتقلُ من نماذجِ دعمٍ مُجزّأة، إلى منظومةِ تعليمٍ عالٍ دامجَة، متكاملة، وقادرة على تمكينِ الطلبةِ أكاديمياً ومهنياً واجتماعياً؟
إنَّ تطلّعاتِنا تتجاوزُ مسألةَ القبولِ الجامعي، لتشملَ بناءَ مساراتِ انتقالٍ واضحة، تبدأُ من المدرسة، وتمرُّ بالتعليمِ العالي، وتصلُ إلى فرصِ عملٍ حقيقية، قائمةٍ على الكفاءةِ وتكافؤِ الفرص، مع تعزيزِ الشراكاتِ المؤسسيةِ بين الجامعات، والجهاتِ الداعمة، وأسرِ الطلبة، بما يضمنُ استدامةَ الجهود، وعدمَ ارتباطها بمبادراتٍ فرديةٍ أو مرحلية.
إنَّ التعليمَ الدامجَ في مرحلةِ ما بعد الثانوية استثمارٌ وطنيٌّ طويلُ الأمد في الإنسان، وفي رأسِ المالِ البشري والمجتمعي. فالطلبةُ من ذوي الإعاقة لا يحتاجونَ إلى حلولٍ استثنائية، بقدرِ ما يحتاجونَ إلى أنظمةٍ مرنة، وسياساتٍ عادلة، وبيئاتٍ تعليميةٍ تؤمنُ بالتنوّع بوصفهِ قيمةً مضافة.
وانطلاقاً من هذا المبدأ، تؤكّدُ مدينةُ الشارقةِ للخدماتِ الإنسانية التزامَها المستمرّ بدورها كشريكٍ داعمٍ ومُمكِّنٍ ومُبادِر، يعملُ جنبًا إلى جنب مع مؤسساتِ التعليمِ العالي، والجهاتِ الحكومية، والمجتمعِ المدني، لتحويلِ السياساتِ إلى ممارسات، والرؤى إلى أثرٍ ملموسٍ في حياةِ الطلبة، وتُسهمُ في بناءِ نموذجٍ وطنيٍّ متكاملٍ لمساراتِ ما بعد الثانوية، يضعُ الطالبَ في قلبِ المنظومة، ويجعلُ من الدمجِ ممارسةً مؤسسيةً راسخة، لا خياراً استثنائياً أو هامشياً.
























