قراءة سوسيولوجية في الواقع الإماراتي
إعداد موزه علي السويدي ، طالبة ماجستير – قسم علم الاجتماع
جامعة الشارقة – كلية الآداب والعلوم الإنسانية والاجتماعية
في قلب كل مجتمع، تقف الأسرة بوصفها النواة الأولى التي تتشكل فيها العلاقات الإنسانية، وتُبنى داخلها الأدوار الاجتماعية التي تحدد موقع الفرد ووظيفته في الحياة. غير أن هذه المنظومة المتماسكة تتعرض لتحولات عميقة عندما يظهر أحد أفرادها من ذوي الإعاقة، حيث لا تعود الأسرة كما كانت، بل تبدأ في إعادة تشكيل ذاتها، وأدوارها، وأنماط تفاعلها.
لم تعد الإعاقة تُفهم اليوم على أنها مجرد حالة طبية فردية تحتاج إلى علاج، بل أصبحت تُقرأ بوصفها ظاهرة اجتماعية مركبة، تتداخل فيها الأبعاد الثقافية والمؤسسية والاقتصادية، وهو ما أكدته الأدبيات السوسيولوجية الحديثة التي انتقلت من النموذج الطبي إلى النموذج الاجتماعي للإعاقة (Oliver, 1990; Shakespeare, 2013) وفي هذا التحول، لم يعد السؤال: “ما الذي يعانيه الفرد؟” بل أصبح: “كيف يتفاعل المجتمع والأسرة مع الإعاقة؟”.
عندما تعيد الإعاقة توزيع الأدوار داخل الأسرة
أول ما يتغير داخل الأسرة هو خريطة الأدوار. فوجود طفل من ذوي الإعاقة لا يضيف مسؤولية جديدة فحسب، بل يعيد توزيع الأدوار القائمة بشكل كامل.
في كثير من الحالات، تتحول الأم إلى المحور الرئيسي للرعاية اليومية، وهو ما يُعرف في الأدبيات “بتأنيث الرعاية”، حيث تتحمل الأمهات العبء الأكبر من المتابعة الصحية والتعليمية والنفسية (Opoku et al., 2024) وفي المقابل، يميل الأب إلى التركيز بشكل أكبر على الدور الاقتصادي، لتغطية تكاليف العلاج والخدمات.
هذا التحول لا يكون دائما سلساً، بل قد يؤدي إلى حالة من الضغط أو الاختلال في التوازن داخل الأسرة، خاصة إذا لم تتوفر شبكات دعم كافية.
العلاقة الزوجية بين التماسك والضغط
لا تقف التحولات عند حدود توزيع الأدوار، بل تمتد إلى طبيعة العلاقة بين الزوجين. ففي بعض الأسر، تصبح الإعاقة عاملاً لتعزيز التماسك، حيث يتشارك الوالدان المسؤولية ويطوران استراتيجيات مشتركة للتعامل مع التحديات.
لكن في حالات أخرى، قد تؤدي الضغوط النفسية والاقتصادية إلى توترات، خاصة في ظل غياب الدعم المؤسسي أو الاجتماعي. وتشير الدراسات إلى أن مستوى الدعم الاجتماعي يلعب دوراً حاسماً في تحديد ما إذا كانت الأسرة ستتجه نحو التماسك أو التفكك (Kyzar et al., 2012)
ماذا عن الإخوة؟
غالباً ما يُغفل الحديث عن الإخوة، رغم أنهم جزء أساسي من المعادلة. فوجود طفل من ذوي الإعاقة داخل الأسرة قد يدفع الإخوة إلى تحمل مسؤوليات إضافية، أو التكيف مع توزيع مختلف للاهتمام داخل الأسرة.
وفي بعض الحالات، ينمو لدى الإخوة حس عالٍ من المسؤولية والتعاطف، بينما قد يشعر آخرون بالتهميش أو الضغط النفسي، خاصة إذا لم تتم إدارة التوازن الأسري بشكل واعٍ (Hastings, 2007).
قوة الأسرة وتحولات المجتمع
يكتسب هذا الموضوع خصوصية في دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث تتميز الأسرة تقليدياً بقوة الروابط الاجتماعية وامتدادها، مما يوفر شبكات دعم طبيعية.
إلا أن التحولات الاجتماعية، مثل الانتقال نحو الأسرة “المركزية”، وتزايد متطلبات الحياة الحديثة، قد أثرت على هذه الشبكات، وجعلت بعض الأسر أكثر عرضة للضغط.
في المقابل، شهدت الدولة تطوراً ملحوظاً في السياسات الداعمة للأشخاص ذوي الإعاقة، من خلال تبني مفهوم “أصحاب الهمم”، وإطلاق سياسات وبرامج تهدف إلى التمكين بدلًا من الرعاية (Ministry of Community Development, 2017). وقد انعكس ذلك إيجابياً على الأسر، من خلال توفير خدمات تعليمية وصحية وتأهيلية أكثر شمولًا.
ومع ذلك، تشير بعض الدراسات إلى أن الأسر لا تزال بحاجة إلى دعم أكبر، خاصة في الجوانب النفسية والإرشادية والمعلوماتية (Smadi & Sartawi, 1998)
بين الضغوط والتكيف: كيف تصمد الأسرة؟
تعيش الأسر التي لديها فرد من ذوي الإعاقة في توازن دقيق بين الضغوط والتكيف. فهي تواجه تحديات يومية، تشمل الضغوط النفسية مثل (القلق، التوتر) ، والأعباء الاقتصادية (تكاليف العلاج والخدمات) ، بالاضافة الى التحديات الاجتماعية (نظرة المجتمع أو الوصمة) . لكن في المقابل، تمتلك هذه الأسر أيضاً قدرات كبيرة على التكيف، خاصة عندما تتوفر لها موارد داعمة، مثل شبكات الدعم الاجتماعي ،والخدمات المؤسسية ،والبرامج الإرشادية والتدريبية. وقد أظهرت دراسات حديثة أن برامج دعم الأمهات وإدارة الضغوط تسهم بشكل ملحوظ في تحسين جودة الحياة الأسرية (Abdat et al., 2023).
الإعاقة لا تغيّر الفرد فقط… بل تعيد تشكيل العلاقات
ما تكشفه هذه القراءة السوسيولوجية هو أن الإعاقة لا تؤثر على الفرد وحده، بل تعيد تشكيل شبكة العلاقات داخل الأسرة وخارجها. فهي قد تعزز التضامن، وتُعيد ترتيب الأولويات، وتخلق أشكالًا جديدة من القوة والصمود.
وفي الوقت نفسه، قد تكشف عن فجوات في الدعم، أو تحديات في التكيف، مما يجعل من الضروري النظر إلى الأسرة بوصفها شريكاً أساسيًا في أي سياسة أو برنامج موجه للأشخاص ذوي الإعاقة.
من الرعاية إلى التمكين: الطريق إلى المستقبل
لقد قطعت دولة الإمارات العربية المتحدة شوطاً مهماً في الانتقال من نموذج الرعاية إلى نموذج التمكين، لكن التحدي القادم يكمن في تعزيز دور الأسرة ضمن هذا التحول. فالتمكين الحقيقي لا يقتصر على الفرد، بل يشمل الأسرة بأكملها، من خلال:
- دعم الأدوار الأسرية بشكل متوازن
- توفير خدمات إرشاد أسري متخصصة
- تعزيز شبكات الدعم المجتمعي
- إشراك الأسرة كشريك في التعليم والتأهيل
وختاماً لا بد من التاكيد بأن الإعاقة لا تعيد تشكيل حياة الفرد فقط، بل تعيد صياغة قصة الأسرة بأكملها. إنها تجربة تحمل في طياتها تحديات كبيرة، لكنها أيضاً تكشف عن قدرات إنسانية عميقة على التكيف، والتضامن، وإعادة البناء. وفي المجتمع الإماراتي، حيث تتقاطع القيم التقليدية مع السياسات الحديثة، تبرز فرصة حقيقية لبناء نموذج متكامل لا يركز فقط على تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة، بل يمتد ليشمل أسرهم بوصفها القلب النابض لأي عملية دمج حقيقية.
قائمة المراجع
- Oliver, M. (1990). The politics of disablement.
- Shakespeare, T. (2013). Disability rights and wrongs revisited.
- Crabtree, S. A. (2007). Family responses to disability in the UAE. Disability & Society.
- Opoku, M. P., et al. (2024). Experiences of mothers of children with disabilities in the UAE. Disability & Society.
- Abdat, R., et al. (2023). Stress management for mothers of children with disabilities. IJERPH.
- Smadi, A. A., & Sartawi, A. M. (1998). Counselling needs in UAE families. European Journal of Special Needs Education.
- Ministry of Community Development (2017). UAE National Policy for People of Determination.























