«ما رأيت مثل عطاء بن أبي رباح، وما رأيت عليه قميصاً قط، ولا رأيت عليه ثوباً يساوي خمسة دراهم» .عمر بن ذر.
يصف بعض أهل العلم عطاءَ بن أبي رباح بأنه أسودٌ شديد السّواد، ليس في رأسه شعرٌ إلا شعرات، أفطسٌ، أعورٌ ثم عميَ، أشلٌّ قُطِعَتْ يده أيّام ابن الزّبير.
بيد أنّ الله عزّ وجلّ منحه سماتٍ أضفتْ لمكنونه الجمال، وآفاقه الحُسن، فكان بدر زمانه، فصيحاً إذا تكلّم، فقيهاً إذا حدّث، ثقةً إذا أفتى، سيّد التابعين علماً وعملاً واتقاناً في عصره بمكّة، كثير الحديث، فما قال بالحجاز قُيل منه.
كان عطاء بن أبي رباح في صغره عبداً مملوكاً لامرأةٍ مكيّة، تلمّست الخير والتّقى في نفس مملوكها الذي قسّم وقته لأقسام ثلاثة:
- وقت لخدمة سيّدته، وتأدية حقوقها عليه دون تقصير.
- ووقت لربّه جلّ علاه عابداً خاشعاً ناسكاً.
- ووقت يطلب فيه العلم حثيثاً من أهله ومنابعه الصافية، حتي فاض قلبه ولبّه علماً وفقهاً وروايةً وفضلاً وإيماناً ممن أدركهم من صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم.
فلمّا تجلّى للسيّدة المكيّة صلاح غلامها، وجهاده في طلب العلم، فما عثرت له تجديفاً وإبحاراً في خضم المعرفة، فشملته بالرعاية حتى أعتقت رقبته لله عز وجل راضية محتسبة؛ راجية الفائدة العظمى التي أحستها به انتفاعاً منه وإليه.
وحينها اتخذ عطاء بن أبي رباح البيت الحرام مقاماً له وداراً ومدرسة ومصلى.
قال ابن جريج:
كان المسجد فراش عطاء عشرين سنة، وكان من أحسن الناس صلاة.
وقال أيضاً: لزمت عطاء ثماني عشرة سنة، وكان بعدما كبر وضعف يقوم إلى الصلاة، فيقرأ مائتي آية من البقرة وهو قائم لا يزول منه شيء ولا يتحرك.
وقد ارتقى التابعي الجليل عطاء بن أبي رباح بعلمه ومكانته مرتبة رفيعة بين معاصريه.
فعن سلمة بن كهيل قال:
ما رأيت أحداً يريد بهذا العلم وجه الله غير هؤلاء الثلاثة: عطاء، وطاووس، ومجاهد.
حدث عثمان بن عطاء الخراساني قال:
انطلقت مع أبي نريد هشام بن عبد الملك، فلما غدونا قريباً من دمشق إذا نحن بشيخ على حمار أسود عليه قميص صفيق، وجبة بالية، وقلنسوة لازقة برأسه، وركاباه من خشب، فضحكت منه، وقلت لأبي: من هذا؟!
فقال: اسكت، هذا سيد فقهاء الحجاز عطاء بن أبي رباح، فلما قرب منا نزل أبي عن بغلته، ونزل هو عن حماره فاعتنقا، وتساءلا.
ثم انطلقا في السير على ركبيهما حتى وقفا على باب قصر هشام بن عبد الملك الذي هش وبش بمقدم عطاء، وقام إليه إكراماً، واستمع إليه إنصاتاً وملبياً لما طلبه من حقوق الناس.
وكان الخليفة هشام بن عبد الملك يجزل عطاءه لعطاء، فيدبر عطاء عما يقبل عليه أشد الإدبار، ويأبى مداخل الدنيا ومفاتنها، وعاش عمره على الكفاف، يرتدي قميصاً لا يزيد ثمنه على خمسة دراهم.
طوبى لأمة الإسلام بعطاء بن أبي رباح.. لمن تحسس مكمن الجمال في نفسه عمقاً وأفقاً، طوبى لمن ربى في دواخله سمات جعلته من أوعية العلم النافعة يغترف منها مدى الزمان.
وطوبى لمن ودع الحياة بعد مائة عام اكتظت علماً وعملاً، براً وتقوى، زهادة وهدى، ختمها في رمضان، ومعه فوق ذلك سبعون حجة
























