إعداد: الاختصاصية الاجتماعية سلامه الكتبي
يُعتبر التوظيف من أبرز مؤشرات الاندماج الاجتماعي والاقتصادي في المجتمعات المعاصرة، إذ يمنح الفرد تحقيق الاستقلالية والمشاركة النشطة في بناء المجتمع. إلا أنّ هذه الإمكانية لا تتوافر لجميع الأفراد على نحو متساوٍ، خصوصاً أولئك الذين يندرجون ضمن فئة الأشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد. فبالرغم من امتلاك الكثير منهم مهارات معرفية وتقنية متقدمة، فإن نسب توظيفهم تظل منخفضة مقارنةً بغيرهم، مما يعكس وجود فجوة بين قدراتهم الحقيقية وفرصهم المهنية.
اقرا ايضا: بعدَ التعليم.. عملٌ وتوظيف
تشير الأدبيات الحديثة إلى أن هذه الفجوة ليست نتيجة قصور فردي بقدر ما هي نتاج لعوامل هيكلية ومجتمعية ومؤسسية، تشمل أنماط التوظيف، ونقص الوعي، وضعف التكيف ضمن بيئة العمل.
تعتبر الوظيفة أداة رئيسية لتحقيق الهوية الاجتماعية والشعور بالانتماء، وهي كذلك منبع للاستقلال المالي والرضا الذاتي. كما أظهرت أبحاث متعددة أن التوظيف يُحسّن الصحة النفسية للأشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد، ويقلل من مستويات القلق والعزلة. ومع ذلك، فإن معدلات التوظيف الفعلية تظل متدنية، إذ تُظهر الإحصاءات في كثير من الأقطار أن أقل من 20% من البالغين ذوي اضطراب طيف التوحد يعملون بوظائف مستقرة، رغم توفر الكفاءات والمهارات لديهم.
من أبرز العوائق التي تواجه الأشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد هي طبيعةُ إجراءات التوظيف المألوفة، والتي تعتمد في الغالب على المقابلات الشفوية والامتحانات الاجتماعية التي تقيّم مهارات التواصل عوضاً عن الكفاءة الفنية. هذه الأساليب لا تعكس بالضرورة الإمكانات الحقيقية للمتقدمين من ذوي اضطراب طيف التوحد، خصوصاً أن بعضهم يجد صعوبة في التواصل البصري أو التعبير اللفظي في المواقف الرسمية.
تُبين الدراسات أن شح الوعي والمعرفة الصحيحة حول اضطراب طيف التوحد من أهم الأسباب التي تعرقل العمل. إذ لا يزال بعض أصحاب العمل يربطون “التوحد” بالعجز أو ضعف القدرة، مما يؤدي إلى مواقف سلبية أو تحفظات تجاه تشغيلهم. كما أن غياب التدريب الملائم لفرق الموارد البشرية يجعلهم غير مستعدين لفهم متطلبات المتقدمين من ذوي اضطراب طيف التوحد أو التعامل معهم بأسلوب لائق.
قد يواجه الموظفون ذوو اضطراب طيف التوحد بعد التعيين أوساط عمل غير مهيأة من الناحية الحسية والاجتماعية. فالإنارة الساطعة، الضوضاء، أو الازدحام البشري، قد تسبّب لهم توتراً أو إجهاداً حسياً. كما، أن بعض أوساط العمل تفتقر إلى المرونة في أوقات العمل أو في أسلوب التواصل، مما يجعل التكيف أكثر صعوبة. هذه التحديات لا ترتبط بكفاءة الفرد المهنية بقدر ما ترتبط بمدى استعداد المؤسسة لتوفير بيئة شاملة ومتنوعة.
قد يواجه بعض الأفراد من ذوي اضطراب طيف التوحد مستويات مرتفعة من القلق الاجتماعي، الخوف من الإخفاق أو تدني الثقة بالنفس نتيجة لتجارب سابقة في الرفض أو التمييز. كما قد يؤدي الضغط المجتمعي إلى تجنب التفاعل المهني أو الإفصاح عن الحالة، مما يقلص من فرص الحصول على المساندة المناسبة داخل العمل. وتُعد هذه العوامل من التحديات غير الظاهرة التي تتطلب معالجة نفسية واجتماعية موازية لمتطلبات التوظيف.
تشير الدراسات الحديثة إلى أهمية تحديث أساليب التوظيف لتتمحور حول القدرات الحقيقية للمرشحين بدلاً من الاعتماد الكامل على مهاراتهم في المقابلات. يُقترح استبدال المقابلات التقليدية بمقابلات عملية أو تجارب أداء واقعية تتيح للمرشحين فرصة عرض مهاراتهم في بيئة عمل حقيقية. كما يُفضَّل منحهم وقتًا أطول للإجابة، تقديم الأسئلة بشكل مكتوب، وتجنب الاعتماد على تقييم التواصل غير اللفظي كمؤشر رئيسي.
تظهر الأدلة أن إجراء تعديلات بسيطة في بيئة العمل يمكن أن يؤثر بشكل ملحوظ على أداء الموظفين. تشمل هذه التعديلات تقليل مستوى الضوضاء، تحسين تنظيم الإضاءة، السماح باستخدام سماعات لعزل الصوت وتوفير فترات استراحة مرنة. بالإضافة إلى ذلك، فإن توضيح المهام بدقة وتقديم التغذية الراجعة بانتظام يساهمان في تقليل التوتر وتعزيز الكفاءة. تعتبر التكنولوجيا وسيلة فعّالة لدعم وتمكين الأشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد في الانخراط ضمن المجال المهني. فقد أظهرت الأدوات الرقمية مثل التطبيقات المتخصصة وبرامج إدارة الوقت وأجهزة الدعم البصري قدرة كبيرة على تعزيز مهارات التركيز، وتحسين التواصل، وتنظيم المهام بشكل أفضل. بالإضافة إلى ذلك، يمثل العمل عن بُعد خياراً مميزاً يلبّي احتياجات الكثيرين منهم، خاصة الذين يواجهون صعوبات حسية أو اجتماعية في بيئات العمل التقليدية.
تشير الدراسات الحديثة إلى أن التحدي الرئيسي أمام توظيف الأفراد من ذوي اضطراب طيف التوحد يكمن في البيئة المؤسسية والاجتماعية المحيطة بهم، وليس في قدراتهم الشخصية. فأمورٌ مثل قلة الوعي، الاعتماد على أساليب توظيف تقليدية، وغياب الدعم اللازم بعد التوظيف تُعد من أبرز العوامل التي تؤدي إلى تراجع فرصهم في الانضمام إلى سوق العمل. إن دمج الأشخاص من ذوي اضطراب طيف التوحد في سوق العمل يتجاوز كونه واجباً أخلاقياً أو متطلباً قانونياً ليصبح استثماراً اجتماعياً واقتصادياً له فوائد ملموسة للمؤسسات والمجتمعات على حد سواء. فقد أظهرت التجارب قدرة الأشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد على التحلّي بصفات مثل الالتزام والمهنية والتركيز العالي، مما يعزز من قيمتهم كعناصر فعالة ومميزة في بيئات العمل المعاصرة.
المراجع :
- ليندسي، س.، وهونسيل، ك. (2017). تكييف وتقييم برامج الإرشاد المهني في أماكن العمل للبالغين ذوي التوحد. مجلة التأهيل المهني، 46(3)، 417–429.
- وزارة تنمية المجتمع – دولة الإمارات العربية المتحدة. (2023). تقرير أصحاب الهمم وتمكينهم المهني في سوق العمل الإماراتي. أبوظبي: وزارة تنمية المجتمع.
- الجمعية الأمريكية للطب النفسي. (2022). الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (الطبعة الخامسة، النسخة المنقحة). واشنطن: الجمعية الأمريكية للطب النفسي.






















