دخلت المرأة في وطننا العربي معترك الحياة الثقافية والسياسية والاقتصادية، جنباً إلى جنب مع الرجل لتخوض تجاربها في عالم الدراسة والعمل، إضافة إلى الدور الكبير والهام الذي ينتظرها في البيت كأم ومربية، في عصر تعصف بقاطنيه رياح الانفتاح على الثقافات الأخرى من كل حدب وصوب.
ولعلك تتفق معي أخي القارىء أن عملية دخول المرأة طريق المشاركة كانت بطيئة وتزحف بصمت وخجل وتشوبها الكثير من العراقيل التي وضعت أمامها حين نظر إليها الرجل كمنافس يوشك أن يلتهم حصته في الحياة بدلاً من النظر إليها كشريك، مبرراً ذلك بثقافة العرف والعيب التي يقتصر الصاقها على البنت منذ الصغر.
فإذا كان هذا حال المرأة التي كافحت طويلاً لاسترجاع حقوقها التي منحها إياها ديننا الحنيف، وتعبت من أجل غربلة وتنقية صورتها من الشوائب التي رمتها بها سنون الجهل والخوف والحرمان، وإعادة الشفافية إلى الصور التي كرمها بها الله، فما بالنا إذا كانت هذه المرأة من ذوي الإعاقة؟ لا تلبث أن تنفك من القيود الاجتماعية التي تحاصرها كإمرأة حتى تصطدم بسور آخر أعلى وأمتن هو سور الإعاقة؟!
حين دافعت منظمات حقوق الإنسان عن الفئات المهمشة ـ بصرف النظـر عن الأهداف الحقيقية والمرامي البعيدة المدى لهذه المنظمات ـ وضعت الطفل وذا الإعاقة والمرأة في سلم أولوياتها، حيث عانى ملايين الأطفال في العالم من العقاب البدني والاستغلال والعمالة والحرمان من التعليم وأبسط الحاجات، وكانوا ضحية الكوارث والحروب وحتى العلاقات الزوجية.
وكذلك الأمر بالنسبة للشخص ذي الإعاقة الذي ظل ينظر إليه حتى وقت قريب كشخص غريب وغير قادر، إلى أن جاءت المؤسسات الإنسانية واحضتنته بدفئها، مقدمة له الرعاية والتعليم والتأهيل داعية إلى انخراطه في المجتمع، وإن أشكال التهميش والاستغلال هذه تنطبق على المرأة في مراحلها العمرية كافة، حين سلبتها المجتمعات الغربية حريتها وجعلتها وسيلة دعائية لتسويق منتجاتها وتاجرت بجسدها، في حين ظلت بعض مجتمعاتنا العربية خجولة من فتح الباب لها لتثبت نفسها وتقول كلمتها.
وحين يجتمع هذا الثالوث (الطفولة، الإعاقة والأنوثة) في جسد واحد فهذا يعني معضلة كبيرة ثلاثية الأبعاد، وينبىء بحالة الخجل من الإشهار، والطمس والتغييب لهذا المخلوق، وقد يعطي المجتمع متسعاً من الوقت لهذه الفتاة ذات الإعاقة لا يزيد عن خمس عشرة سنة في أحسن الأحوال، لتمارس طفولتها قبل أن يتم حجبها عن الأنظار بحجة بلوغها وتحريم خروجها من البيت.
إن واقع المرأة ذات الإعاقة يحتاج إلى المزيد من فتح الأبواب وهدم الأسوار التي تمنع تواصلها مع فئات المجتمع وممارسة حقوقها واثبات ذاتها بما تملك من قدرات، والنماذج التي نراها في المجتمعات الغربية ليست أكثر قدرة وقوة من النماذج العربية التي بدأ ظهورها في مجالات الأدب والعمل الاجتماعي والإداري يبشر بخير، ما دامت الظروف الموضوعية المحيطة تمهد لظهورها وتدعمها وتهيء لها الجو الإبداعي الآمن الذي يحترم كرامتها ويأخذ بيدها إلى بر الأمان.
























