رضي الله عنه (قاتل أبي جهل)
شخصية إسلامية يفخر المرء بذكرها والقراءة عنها، هو ذلك الشبل من ذاك الأسد، أجهز على الشر من بؤره، قاوم معوقات شتى في حياته، أبرزها ذكراً في حديثنا: حداثة سنه وبتر يده في ساح القتال من أجل رفع راية (لا إله إلا الله محمد رسول الله).
إن حديثنا سيدور عن شخصية شُرّف بها تاريخ الإسلام اسماً وفعلاً وشجاعة وبسالة فسجلها بحروف من نور تومض إشراقاً وتنبض شرفاً وبهاء، فهي التي ساهمت بشكل بطولي ومباشر في التخلص من أكبر العوائق التي تقف أمام انتشار ذلك الدين العظيم الذي بعث به سيد البشرية محمد صلى الله عليه وسلم.. إنه معاذ بن عمرو بن الجموح بن كعب الأنصاري الخزرجي السلمي المدني البدري العقبي ـ رضي الله عنه ـ سبق أباه إسلاماً، وشهد العقبة، وبايع الرسول صلى الله عليه وسلم، كما شهد بدراً، روى عنه ابن عباس رضي الله عنهما، وعاش إلى أواخر خلافة سيدنا عمر رضي الله عنه، وقيل إلى خلافة سيدنا عثمان رضي الله عنه، وهو بكل فخر ذاك الفتى الذي أردى أبا جهل صريعاً بسيفه.
سوف نستعرض قصته رضي الله عنه مع أبي جهل، الذي لم يعقه فيها صغر سنه وحداثته، ولكنها التربية الإسلامية التي نشأ عليها في بيت؛ صغيره وكبيره فادى بنفسه دفاعاً عن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ودينه الحق.
ففيما أخرج الشيخان عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال: إني لواقف يوم بدر في الصف، فنظرت عن يميني وشمالي، فإذا أنا بين غلامين من الأنصار حديثة أسنانهما، تمنيت أن أكون بين أضلع منهما. فغمزني أحدهما فقال: يا عمّاه! أتعرف أبا جهل؟ فقلت: نعم. وما حاجتك إليه؟ قال: أخبرت أنه يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا. فتعجبت لذلك. فغمزني الآخر فقال لي أيضاً مثلها، فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل وهو يجول في الناس. فقلت: ألا تريان؟ هذا صاحبكما الذي تسألاني عنه؟
فابتدراه بسيفهما فضرباه حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبراه. فقال: أيكما قتله؟ قال كل منهما: أنا قتلته. فقال: (هل مسحتما سيفيكما؟) قالا: لا. فنظر النبي صلى الله عليه وسلم في السيفين، فقال: (كلاكما قتله). وقضى بسلبه معاذ بن عمرو بن الجموح والآخر معاذ بن عفراء رضي الله عنهما.
وهنا آن لابن الجموع ليحكي بنفسه تلك الرواية التي تثلج الصدر وتستقر في الفؤاد، كيف وقف بكل شجاعة وجميل بسالة أمام أكبر المشركين وأشدهم كرهاً لدين الإسلام وكيف جاهد ما أعاقه حين قطعت يده في ساح القتال، وما كان تصرفه حيال ذلك!؟
ففي البداية، عن ابن عباس وعبد الله بن أبي بكر رضي الله عنهم قالا: قال معاذ بن عمرو بن الجموح أخو بني سلمة: سمعت القوم ـ وأبو جهل في مثل الحرجة ـ وهم يقولون: أبو الحكم لا يخلص إليه.
فلما سمعتها جعلته من شأني فصمدت نحوه، فلما أمكنني حملت عليه، فضربته ضربة أطنت قدمه بنصف ساقه، فوالله ما شبهتها حين طاحت إلا بالنواة تطيح من تحت مرضخة النوى حين يضرب بها. قال: وضربني ابنه عكرمة على عاتقي، فطرح يدي فتعلقت بجلدة من جنبي، وأجهضني القتال عنه، فلقد قاتلت عامة يومي، وإني لأسحبها خلفي، فلما آذتني وضعت عليها قدمي، ثم تمطيت بها حتى طرحتها.
هذه صورة من عدة صور لصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم تشرق بالشوق للجهاد والمجاهدة، وتحمل الجراح والصبر على الشدائد والحكمة في التصرف دون شكوى أو تململ، مع نبذ كل المعوقات التي تقف أمام الدعوة إلى الله.
























