(إن الله صدقك يا زيد)
رسول الله صلى الله عليه وسلم
لله درّه.. حين تسرّب الصدق عبر مسامه، مستكيناً جوف فؤاده فهم إليه سيد البشرية صلوات الله وسلامه عليه بالإشارة بقوله: (هذا الذي أوفي لله بأذنه).
إنه الصحابي الجليل زيد بن أرقم بن زيد بن قيس الأنصاري الخزرجي.. المكثر من رواية الحديث، صاحب الأفضال والبطولات، ذلك الذي تربّى يتيماً في كنف عبد الله بن رواحة، إذ خرج في معيّته إلى مؤتة مُردفاً له على حقيبة رحلِه.
فمنذ نعومة أظفاره وثبتْ روحه يقظةً تهيمن في ساح الجهاد ولِهة بمنازلة الأعداء والذود عن دين الله العظيم، ففي أحُد استصغره رسول الله صلى الله عليه وسلم، بينما ظفر ونفر من صغار الصحابة بثقته العالية، حين حمّلهم مسؤولية حراسة الذَّرّيّة.
وأنّى للرسول الأكرم لا يمنح زيداً ـ رضي الله عنه ـ ثقته!؟ وهو من أعزّه ربّه فأنزل فيه قرآناً يؤكد صدق قلبه ولسانه وفعاله، يبرئه من النفاق والشقاق، ويصفه بأجلّ الصفات والأخلاق.
ففي حادثة أقرّها القرآن الكريم ليضيف لسيرة ابن أرقمٍ شمائلها التي لا يمحوها زمان ولا مكان، إذ بُدئت بالإيلام واختتمت بأزكى الكلام، يحكيها لنا زيد بن أرقم قائلاً: كنتُ مع النبي صلى الله عليه وسلم في غَزَاة فسمعت عبد الله بن أبي سلول يقول: لا تنفقوا على مَنْ عند رسول الله ّحتى ينفضّوا من عنده، ولئن رجعنا إلى المدينة ليُخرجنّ الأعزُّ منها الأذلّ، فحدّثت عمي، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرته، فبعث إلى عبد الله بن أبي وأصحابه، فجاؤوا فحلفوا بالله ما قالوا، فصدّقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذّبني، فدخلني من ذلك همٌّ، قال لي عمي: ما أردت إلى أن كذّبك رسول الله، ومقتك، فأنزل الله تعالى سورة المنافقين، فدعاهم رسولُ الله، فقرأها عليهم، قال: (إن الله قد صدَّقك يا زيد).
ومن هذا التاريخ فقد سرى حبُّ الجهاد في شرايين زيد بن أرقم وأوردته مجرى الدم، فطفق محترفاً للجهاد، لا ينثني عن تلبيه النداء، ولا يتخاذل عن منازلة الأعداء، يتقدم الركب إليه، واللحاق به، غير آبه بما تساوره من أسباب، أو تكابده من ظروف، جاعلاً من العقيدة أساساً لعمله، فإن كان عمل القلب يفوق عمل الجوارح، فإن تحقيق الكمال في كليهما مطلب عند صحابيّنا الجليل زيد بن أرقم رضي الله عنه.
ولأنه قد تبوّأ مكانةً سما بها في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد ظلّ بينهما وصل لم ينقطع، حتى أن عاده المصطفى صلوات الله وسلامه عليه في مرض أصاب عينه، فقال له: ليس عليك من مرضك هذا بأس، ولكن كيف بك إذا عمّرت بعدي فعميت؟ قال إذاً أصبر وأحتسب. قال: إذاً تدخل الجنة بغير حساب.
فأصابه العمى بعد ممات النبي صلى الله عليه وسلم ثم ردّ الله عزّ وجل إليه بصره، بعدها مات رحمه الله سنة ثمان وستين للهجرة بالكوفة.
فطوبى لمن عمّر حياته بذكر الله، وأخلص عبادته له جلّ علاه.
























