إلى زمنٍ بعيدٍ تأخذ بنا الومضات والنبضات؛ لنربت على كتف المعجزة؛ لنقرأ في صميم الامتحان الصعب، والابتلاء العظيم لنبيٍّ من أنبياء الله كان مثالاً في صبره، مكثاراً للثناء لربّه، نبيلاً في أخلاقه.
إنّه نبيّ الله أيوب عليه السلام.. أمّه من بنات لوطٍ عليه السلام.. وزوجه (رحمة) حفيدة ليوسف عليه السلام.. اصطفاه الباري عزّ وجلّ، فبعثه نبياً ورسولاً إلى أهل حوران من نواحي دمشق.
وصفوه فقالوا: كان رجلاً طويلاً عظيم الرأس جعد الشعر، حسن العينين قصير العنق غليظ الساقين والساعدين.
أغدق عليه ربّ العالمين بألوان الرزق من ملك في الأرض والماشية والعبيد، وأعطاه المال والصحة والأهل والولد.. فكان ـ عليه السلام ـ أمام هذا المدّ الرباني من حسن العطاء وجميله عبداً صالحاً مستقيماً تقيّاً نقيّاً راضي النفس طيّب الفؤاد، مؤديّاً لحق الله تعالى، فكان الشاكر الحامد للنعم، الصابر الذاكر وقت الشدّة والضرر.. فما انفك للغريب والقريب داراً، وللمسكين والفقير قراراً، ولليتيم وليّاً، وللأرملة قيّماً.
وتلك نعمة عظيمة حسده عليها إبليس، فسلّط شياطينه على مال أيوب فأفناه، ثمّ أخذ بشرّه على أولاده فقتلهم بأبشع صورة.. فلن يهدأ لإبليس بال أو حال حتى يخرج أيوب عليه السلام من رحمة ربّه، فما برح يعمل على إبعاده عن عبادته حتى يشغله عنها.
وفي كلّ مرةٍ يعود إبليس خاسئاً خاسراً ذليلاً.. يبحث عن بلاءٍ جديد.. ومنافذ أخرى يهزّ بها أركان نفس أيوب عليه السلام الخصبة بحبّ الله تعالى والواثقة ثقةً عميقة وجليلة بأن (لله ملك السموات والأرض)، وأنه وما يملك إنما معارٌ من الله.. وسيردّ كلّ معارٍ وأمانة لبارئها متى شاء الله جلّ علاه.
فبعد أن فقد النبيّ أيوب ـ عليه السلام ـ المال والولد أراد إبليس لأيوب الابتلاء في جسده ونفسه لينسى ذكر الله تعالى ويكفر به، ويجحد أفضاله فأصابه في سائر بدنه حتى وصل به الحال إلى عدم القدرة على الحركة.. فتفرّق عنه الأصحاب والخلان.. فحريٌّ بإبليس ألا يجد سوى جدباء الكفر بغير الله عند العبد الأواب.
وهيهات.. هيهات لأيوب أن يجزع أو يسخط من عطاءٍ منّ عليه الله.. أو يؤوب لغير ربّه، فلن يطير لبّه، ولم يكُ ظالماً لقلبه، فنبينا أيوب ـ عليه السلام ـ تلقّى المصيبة بالصبر.. والعوز بالشكر.. والوهن بقوة الإيمان.. دون تململ أو ضيق صدر.
والله جلّ علاه وحده أعلم بما يحدث لعبده أيوب.. فلم يسلّط عليه إبليس إلا رحمة ليعظم له الثواب ويجعله عبرةً للصابرين وذكرى للعابدين في كلّ بلاءٍ ينزل بهم ليتأسّوا به في الصبر ورجاء الثواب.
فها هو عدوّ الله إبليس ينقضّ سريعاً، فيجد أيوب ساجداً فينفخ في منخريه نفخةً يشعل جسده منها، فيذهل فتصيبه بثورٌ وثآليل مثل ثديات النساء وأليات الغنم حتى تسقط كلّها، ثمّ يحكّها بالمسوح الخشنة حتى يقطعها ثمّ يحكّها بالفخار والحجارة الخشنة فلم يزل يحكّها حتى ينزل لحمه ويتقطّع ويتغيّر وينتن، فلما لبث أن ينفذ صبر أهل قريته، ويخشوا خطر العدوى فيخرجوه ويلقوا به بين الكناسة تحت عريشة خاصّة خارج القرية وبعيداً عنها لسبع سنين وأشهر يحكّ قروحه وتختلف فيه الدواب وتتردد.
وهنا تكون قد انطبقت أضلاع المثلث الكئيب على حياته (المرض والحزن والوحدة).. لكن هل حقّق إبليس ـ لعنة الله عليه ـ ما يصبو إليه، فانتهى الحال إلى ما يريد!! أم أخضع سيدنا أيوب عليه السلام لشرّ وسوسته!؟ كلا.. لن يكون ذلك.. فأوجه الانتصار لها ملامحها التي تومض بالنور وتنبض بالإجلال، فلنا بها وقفة أخرى في مقالنا القادم إن شاء الله..
























