(إنّ عيني الصحيحة لفقيرة إلى مثل ما أصاب أختها في الله)
صابرٌ صامدٌ، مجتهدٌ عابدٌ، متمسكٌ بالدين معتصمٌ به، هو عثمان بن مظعون القرشي الجمحيّ، كنيته أبو السائب، أسلم بعد ثلاثة عشر رجلاً، هاجر الهجرتين إلى الحبشة ثمّ المدينة.
ضرب مثلاً في الفداءِ وحبّ الابتلاء، حين فقد إحدى حبيبتيه، غير مبالٍ بما أصابه حبّاً لله تعالى ورسولِه الكريم صلوات الله وسلامه عليه، وهو الذي باع الحياة الدنيا وأمانها، وأشترى الدار الآخرة واستقرارها؛ ليسطّر في تاريخ الإسلام ذكره بمسك موقفِه رضي الله عنه، وجميلِ ردّه عند فقده عينِه.
ولأنّ عثمان بن مظعون رضي الله عنه آلمَهُ حال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يذوقون من ألوان العذابِ البلاء، وهو يغدو ويروح في أمانٍ من الوليد بن المغيرة، قال: والله إنّ غُدُوِّي ورواحي آمناً بجوارِ رجلٍ من أهلِ الشرك، وأصحابي وأهل ديني يَلْقَونَ من البلاءِ والأذى ما لا يُصيبني، لنقصٌ كبيرٌ في نفسي، فمشى إلى الوليدِ بن المغيرة، فقال له: يا أبا عبد شمس وَفَتْ ذمّتك، وقد رددتُ إليك جوارك.
فقال له: لِمَ يا ابنَ أخي، لعلّه آذاك أحدٌ من قومي؟
قال: لا، ولكنّي أرضى بجوارِ الله، ولا أريد أن أستجيرَ بغيرِه، فانطلِقْ إلى المسجدِ، فأردد عليّ جِوارِي علانيةً، كما أجرتني علانية.
فانطلقا حتى أتيا المسجد، فقال الوليد: هذا عثمان، قد جاء يرُدُّ عليّ جواري.
قال عثمان: صدق، ولقد وجدته وفياً كريم الجوار، ولكنني أحببتُ ألا أستجير بغيرِ الله.
ثمّ انصرف عثمان، ولبيد بن ربيعة في مجلسٍ من مجالس قريش ينشدهم، فجلسَ معهم عثمان، فقال لبيد: ألا كلُّ شيءٍ ما خلا الله باطل.
فقال عثمان: صدقت.
فقال لبيد: وكلُّ نعيمٍ لا مَحالَةَ زائل
قال عثمان: كذبت، نعيم الجنّة لا يزول.
فقال لبيد: يا معشر قريش، والله ما كان يُؤذَى جليسُكُم، فمتى حدث هذا فيكم؟
فقال رجل من القوم: إنّ هذا سفيه فارقَ ديننا، فلا تجِدَنَّ في نفسِك من قوله.
فردّ عليه عثمان بن مظعون حتّى شَرِيَ أمرهما، فقام إليه ذلك الرجل، فلطم عينه فأصابها، والوليد بن المغيرة قريب، يرى ما يحدث لعثمان فقال: أمَا والله يا ابنَ أخي إن كانت عَيْنُكَ عمّا أصابها لَغَنِيّة، لقد كنت في ذِمَّةٍ منيعة.
فقال عثمان: بلى والله، وإن عيني الصحيحة لَفقيرةٌ إلى مثلِ ما أصاب أختها في الله، وإنّي لفي جوارِ من هو أعزّ منك وأقدر يا أبا عبد شمس!
فقال له الوليد: هلمَّ يا ابن أخي، إن شئت فعد إلى جواري.
فقال ابنُ مظعون: لا.
وغادر ابن مظعون المجلس وعينه تَضِجُّ بالألم، وبروحٍ ملؤها السعادة والبشر والإيمان، وهو ينشد:
فإن تك عيني في رضا الله نالها
يدا مُلْحِدٍ في الدّينِ ليس بمهتدِ
فقد عوَّضَ الرحمنُ منها ثوابه
ومَنْ يُرْضِهِ الرحمن يا قوم يَسعْدِ
فأنّي وإن قُلْتُم غَوى مُضلّلٌ
لأحيا على دينِ الرسولِ محمّدٍ
أريدُ بذاك الله، والحقّ ديننا
على رَغْمِ من يبغي علينا ويَعْتدِي
هذا.. وللحديث بقيّة عن بطلِ الإسلام الذي أسعده فقد عينه أيما سعادة، والضرر بها شعوراً بعظمةِ البلاء في سبيل الله تعالى وحباً لرسوله المصطفى صلوات الله وسلامه عليه .
























