(اللهم إن قتادة ـ رضي الله عنه ـ قد أوجه نبيّك بوجهه، فاجعلها أحسن عينيه وأحدّهما نظراً)
حديث شريف
تستعذب الأفئدة تلمس أطيب السير، وتستقر في العقول أجلّ المعجزات.. وهي تومض ببريق امتزج بعمق الإيمان رسوخاً في قلوب المؤمنين.
فهذا قتادة بن النعمان بن زيد بن عامر الظفري الأوسي، صحابيّ بدريّ، من الرماة المشهورين، شهد العقبة وأحداً والمشاهد كلها.
صحابي اتسمت حياته بالشجاعة والإقدام والاصطبار ومحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم دفاعاً عن شخصه العظيم ودينه الكريم ورسالته الشريفة.. غير مبال بما أصابه.
وله في ذلك حادثة، حين اختلف الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ في أمره، بعد أن سالت حدقته في يده وهو يهجم على المشركين أسداً هصوراً، ففريق رأى قطع حدقته، وفريق لم ير ذلك، وتركوا الأمر بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم للبت في ذلك.
يقول قتادة ـ رضي الله عنه ـ فيما أخرجه الطبراني: أهدي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قوس، فدفعها إليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، فرميت بها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى اندقّت سنتها، ولم أزل على مقامي نصب وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ألقى السهام بوجهي، كلما مال سهم منها إلى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ميّلت رأسي لألاقي سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا رمي أرميه، فكان آخرها سهماً ندرت منها حدقتي بكفي، فسعيت بها في كفي إلى رسول الله صلى الله عليهم وسلم، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم في كفي دمعت عيناه، فقال: (اللهم إن قتادة ـ رضي الله عنه ـ قد أوجه نبيك بوجهه، فاجعلها أحسن عينيه وأحدهما نظراً). فكانت أحسنهما وأحدّهما نظراً.
نعم.. كانت المعجزة النبوية الشريفة أمام صبر واحتساب قتادة ـ رضي الله عنه ـ فقد أصبحت عين قتادة أصحّ وأحسن عينيه وأقواهما إبصاراً، حتى كان قتادة لا يدري فيما بعد أي عينيه أصيبت.
ولقتادة ـ رضي الله عنه ـ امتد التقدير من خلفاء المسلمين إكراماً له ولولده، ففي عهد عمر بن عبد العزيز ـ رضي الله عنه ـ وفد رجل عليه من ولد قتادة بن النعمان، فلما قدم عليه قال: ممن الرجل؟ فقال:
أنا ابن الذي سالت على الخد عينه
فردت بكف المصطفى أحسن الرد
فعادت كما كانت لأول أمرها
فيا حسن ما عين ويا حسن ما رد
فقال عمر بن عبد العزيز:
تلك المكارم لا قعبان من لبن
شيباً بماء فعادا بعد أبوالا
رحم الله قتادة بن النعمان ـ رضي الله عنه ـ حيث كان من فضلاء الصحابة.
ففي القلب والنفس والدماغ تميس سيرته الزكية، بحلاوتها وعذوبتها، وارتباطها الوثيق بالمعجزة النبوية العظيمة،.. ولساننا يرطّبه التهليل والتسبيح والثناء.
























