(ربَّ كلمة ذلٍّ احتملتها أورثتني عزاً طويلاً)
عروة بن الزبير
يمتدُّ الحديث في حلقته الثانية عن رجلٍ نموذج للمؤمن الحقّ، ويستريح بنا عند حادثةٍ تومض بالاصطبار وتنبض بالاحتساب لرجلٍ ضريرٍ من بني عَبْس، نزل مع جماعةٍ من قومه في دار الخلاقة.
وقد شغل الوليد بن عبد الملك أمر عروة بن الزبير فيما نزلت عليه النّوازل بعد احتسابه ابنه، وفقده ساقه في أيّام قلائل، فمكث يعزّيه و يصبّره على مُصابه.
فنادى الوليد الرجل الضرير سائلاً إيّاه عن سبب كفِّ بصره.
فقال الضرير: يا أمير المؤمنين، لم يكن في بني عَبْسٍ رجلٌ أوفرُ مني مالاً، ولا أكثر أهلاً وولداً، فنزلت مع مالي وعيالي في بطن وادٍ من منازل قومي فطرَقَنا سيلُ لم نرَ مثله قطُّ.
فذهب السيل بما كان لي من مالٍ وأهلٍ وولد، ولم يترك لي غير بعيرٍ واحد، وطفل صغير حديث الولادة، وكان البعير صعباً، فشرد مني.
فتركت الصَّبيَّ على الأرض ولحقت بالبعير، فلم أجاوز مكاني قليلاً حتّى سمعتُ صيحة الطفل.
فالتفتُّ.. فإذا رأسه في فم الذّئب وهو يأكله، فبادرت إليه، غير أنّي لم أستطع إنقاذه، إذ كان قد قضى عليه.
فلحقت بالبعير.. فلمّا دنوت منه رماني برجله على وجهي رميةً حطّمتْ جبيني، وذهبت ببصري.
وهكذا وجدتُ نفسي قد غدوت في ليلةٍ واحدة من غير أهلٍ، ولا ولدٍ، ولا مالٍ، ولا بصر.
فقال الوليد لحاجبه:
انطلق بهذا الرجل إلى ضيفنا عروة بن الزبير، وليقصّ عليه قصّته ليعلم أنّ في الناس من هو أعظم منه بلاءً.
ولمّا شخص عروة بن الزبير من عند الوليد إلى المدينة المنورة، قال: (لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً) اللهمّ كان لي أربعة أطراف فأخذت واحداً، وأبقيت ثلاثة، فلك الحمد، وكان لي بنونٌ أربعة فأخذت واحداً، وأبقيت ثلاثةً، فلك الحمد.
وأيْمُ الله.. لئن أخذت، لقد أبقيت، ولئن أبليت طالما عافيت.
تلك ـ والله ـ ملامح مؤمنٍ اغترف من مباهج الإيمان ما يكلّل به صدره، ويوكل إليه أمره.
فلواعج الإنسان وفواجعه يسهل أمرها ويُستصغرُ مُرُّها عند تفكّرِ وتدبّرٍ أمام نوائب الآخرين ومصائبهم، ونظير ما ندَّخرهُ من الاحتساب صبراً وتحمّلاً لما يعترضنا من آلام وأوجاع.
وليس أعظم من مصيبة عروة إلا مصيبة ذلك الرّجل العَبسيّ، وهكذا.
رحمة الله عليك يا ابن الزّبير رحمةً واسعة.. فقد عُطّرتْ سيرتك بمحافل الخير تقىً وبرّاً وصلاحاً وهدى.
ابتليت فصبرتْ، وفقدت عضواً فاحتسبتْ، حامداً عابداً شاكراً قائماً صائماً.
رحمنا الله وإياكم.. وثبتنا وآجرنا.. ونسأله جلّ شأنه أن يظللنا وذريّاتنا بحمايته وعنايته عفواً وعافية.. ويبعد عنا كل شرٍّ وسوء.
























